آخر تحديث :الجمعة-30 يناير 2026-05:59م

الجنوب بين كلفة الصراعات وضرورة استراحة المحارب

السبت - 27 ديسمبر 2025 - الساعة 11:49 م
محمد عبدربه

بقلم: محمد عبدربه
- ارشيف الكاتب


محمد عبدربه

[email protected]


منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، مرورًا بثمانينيات وتسعينياته، وصولًا إلى الحرب الحوثية في عام 2015، ظلّ الجنوب يدفع فواتير باهظة لصراعات إقليمية وداخلية متراكمة، بما فيها صراعات دولة الشطرين. لقد كان الشعب الجنوبي هو الخاسر الأكبر في كل تلك المراحل، إذ قدّم دماءً وأرواحًا لا تُحصى، حتى امتلأت المقابر بجثامين الأبرياء، في مشهد إنساني مؤلم لا يمكن تبريره دينيًا ولا أخلاقيًا.


اليوم، بات من حق الجنوب أن ينال استراحة محارب حقيقية، يُترك فيها بعيدًا عن الحروب، سواء كانت داخلية أو خارجية. كفى قتلًا، وكفى دفعًا بالناس نحو الموت. الحفاظ على النسيج الاجتماعي الجنوبي واجب وطني وأخلاقي، كما أن حماية المكتسبات التي حققتها المقاومة الجنوبية مسؤولية جماعية لا تحتمل المغامرة أو التهور.


ومن الأهمية بمكان التأكيد على ضرورة الحفاظ على وحدة الشراكة مع دول التحالف العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، باعتبار هذه الشراكة أحد أهم الإنجازات السياسية والعسكرية التي تحققت على الأرض، ولا يجوز التفريط بها أو تعريضها للاهتزاز.


إلى قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي

إن استخدام العقل والحكمة، واحترام المواثيق الدولية والإقليمية، هو ما أوصلكم إلى هذا الموقع السياسي. الاحترام يُقابل بالاحترام، وأي عدوان أو تحرك عسكري داخل أي محافظة جنوبية يُعد خطأً جسيمًا. الحل لا يكون بالقوة، بل بالتفاهم، وبإشراك أبناء المحافظة نفسها، كما في حضرموت، ليكونوا في مقدمة الصفوف، وليلتف الشعب حولهم بدل أن ينقسم عليهم.


إن إدراك واقع الانقسامات وتشابك المصالح داخل التحالف العربي أمر بالغ الأهمية. فهناك قوات تتبع السعودية وأخرى تتبع الإمارات، وجميعها في النهاية من أبناء الجنوب. وأي صدام بينهم لن يكون إلا حربًا جنوبية–جنوبية، نتيجتها الوحيدة إراقة دم الجنوبيين بأيدي بعضهم، وخسارة القضية الجنوبية العادلة بشكل كامل.


كما أن الاستمرار في هذا المسار سيؤدي إلى خسارة المجلس الانتقالي لكل ما حققه من دعم سياسي وعسكري ولوجستي، وخسارة المناصب التي نالها ضمن الحكومة الشرعية. في هذه الحالة، سيكون التراجع والانسحاب خيارًا أفضل وأكثر حكمة من هزيمة سياسية وأخلاقية قاسية.


يا قيادات ،

عودوا إلى صواب العقل. التهور، والدفع بالناس إلى المهالك، أمر محرّم أخلاقيًا ومرفوض وطنيًا. الانسحاب ليس ضعفًا، بل قد يكون عين الحكمة. أنتم شركاء مع دول التحالف العربي، وهذا بحد ذاته إنجاز كبير يجب الحفاظ عليه.


كما يجب الاعتراف بحقيقة واضحة: المجلس الانتقالي فصيل سياسي، ولا يمثل كل مكونات الحراك الجنوبي، ولا يمثل الجنوب بكامله، وهذه حقيقة يدركها الجميع.


إن الحروب التدميرية التي تمزق النسيج الجنوبي لن تمنحكم أي نصر. عندما يقتل الجنوبي أخاه الجنوبي، فالجميع خاسر. عندها ستضيع المكتسبات السياسية والعسكرية، وسيتوقف الدعم، وتدخل القضية الجنوبية نفق العزلة.


الحل الوحيد لتجنب هذا المصير هو العودة إلى الحوار، والجلوس على طاولة النقاش مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول التحالف العربي، حفاظًا على الجنوب، وعلى دم أبنائه، وعلى مستقبل قضيته العادلة.