........................................
لا يُدار اليمن اليوم بوصفه وطناً يبحث عن مخرج، بل كحالة سياسية يُراد إبقاؤها مفتوحة بين الحياة والموت؛ فلا هي تُحسم عسكرياً، ولا هي تنهار كلياً، ولا يُسمح ببنائها كدولة. ففي الفلسفة السياسية الواقعية، تُعد الدولة المستقلة فاعلاً خطراً، لذا يظل اليمن الضعيف والمجزأ أسهل للتوظيف الإقليمي والدولي. وضمن هذا المسرح المفتوح، تم توزيع الأدوار بدقة؛ فالمجلس الانتقالي الجنوبي مسموح له بالسيطرة العسكرية وممنوع من إعلان السيادة أو الدولة، ليبقى قوة محلية وظيفية بلا اعتراف. وفي المقابل، يُترك الحوثي كسلطة أمر واقع دون أن يتحول إلى دولة معترف بها، لأن الدولة تعني تحمل أعباء الاقتصاد والخدمات والالتزامات الدولية، وهو ما يفقده دور "الورقة الإقليمية". أما الشرعية، فقد تحولت إلى مجرد غطاء دستوري وواجهة قانونية تُستدعى لتوقيع الاتفاقات وتمرير الترتيبات، بينما تؤدي قوات طارق صالح دور الميزان الذي يمنع أي طرف من الانفراد بالحسم. إن ما يشهده اليمن ليس فشلاً سياسياً، بل هو نجاح دقيق في إدارة "التعليق القاتل"، حيث يُمنع الانتقالي من الدولة، والحوثي من الجمهورية، والشرعية من الحكم، ليبقى الجميع في حالة تآكل مستمر. في المحصلة، اليمن في هذه الحسابات الباردة ليس وطناً يُراد إنقاذه، بل هو سؤال يُراد إبقاؤه مفتوحاً، فكلما فقد اليمن قراره وتآكلت سيادته، زادت قيمته كأداة قابلة للاستخدام في صراعات المنطقة.
حسين البهام