آخر تحديث :الأحد-15 فبراير 2026-12:39م

بين وحدةٍ أرهقتنا وانفصالٍ يبكينا ..

الثلاثاء - 23 ديسمبر 2025 - الساعة 10:48 ص
احمد الدثني

بقلم: احمد الدثني
- ارشيف الكاتب


بقلم: أحمد الدثني


لسنا ـ نحن الجنوبيين ـ أعداءً للشعب الشمالي، إن صحّ أصلًا هذا التقسيم القاسي بين شعبين، فاليمنيون في جوهرهم نسيج واحد، تداخلت دماؤهم، وتشابكت مصائرهم، قبل أن تتنازعهم السياسات وتتناحر الأطماع.

لم تكن الكراهية يومًا خيار الناس، بل كانت دائمًا صنيعة الساسة، ونتاج الجشع، وأثرًا جانبيًا لصراع السلطة.

نحن الذين نشأنا في الجنوب، كنا نردد في طوابير المدارس نشيد الوحدة، نحفظه عن ظهر قلب، ونؤمن به ببراءة الطفولة، ونراه حلمًا قوميًّا لا تشوبه شبهة. لم يكن في وعينا آنذاك شمال وجنوب، بل وطن واحد اسمه اليمن.

واليوم، ويا للمفارقة المؤلمة، صرنا ندعو في صلواتنا بالخلاص من هذه الوحدة ذاتها، لا كرهًا في اليمن، ولا بغضًا في صنعاء، بل هربًا من ظلمٍ طال، وجورٍ استوطن، وفسادٍ صادر الحلم واحتكر الوطن.

ومع ذلك، ورغم كل شيء، يظل القلب يرفرف حين تُذكر صنعاء، وتبقى للشمال مكانته في الوجدان، ويبقى شعبه ـ قاطبة ـ شعبًا مظلومًا مثلنا، لا شريكًا في الظلم.

إن من اختطف الدولة في الشمال هو ذاته من شوّه معنى الوحدة، وهو نفسه من أذاق الشماليين قبل الجنوبيين مرارة القهر، وسلبهم الدولة والقرار والعيش الكريم.

نعم، قد أبكي إن افترقنا، ولي الحق أن أبكي، حتى وإن كنت من أكثر المتألمين من هذه الوحدة. فالفراق ليس نصرًا خالصًا، كما أن الوحدة لم تكن يومًا جحيمًا خالصًا.

إن ما يحطم الأوطان ليس الحدود، بل الظلم، وما يقتل المعاني ليس الانفصال، بل الاستبداد.

وإن قُدّر لليمن أن يعاد تشكيله سياسيًا، وبرضا إقليمي ودولي، بدءًا من المملكة العربية السعودية، التي يترتب على موقفها مواقف كبرى، وصولًا إلى الولايات المتحدة والعالم أجمع، فإن الرجاء كل الرجاء أن يبقى الود بين الشعبين، وأن لا تتحول الحدود ـ إن قامت ـ إلى جدران كراهية أو قطيعة.

لا غنى لصنعاء عن عدن، ولا لعدن عن صنعاء، لا اقتصاديًا ولا إنسانيًا ولا وجدانيًا.

فالتاريخ والجغرافيا والمصالح والمصير، كلها تقول إن ما بيننا أعمق من أن تمحوه السياسة، وأقوى من أن تكسره الخرائط.

هذه ليست دعوة لوحدة قسرية، ولا تبريرًا لانفصال متعجل، بل صرخة عقل وقلب معًا:

دعوا الشعوب تتصالح، حتى وإن اختلفت الكيانات.

دعوا السياسة تذهب حيث تشاء، لكن لا تزرعوا الحقد بين الإخوة.

فاليمن، شمالًا وجنوبًا، أكبر من حكامه، وأبقى من صراعاتهم، وأصدق من كل الشعارات التي رُفعت باسمه ثم طُعِن بها في الظهر.