عند أحد الحواجز العسكرية ، التابعة للجيش توقفنا ، بأنتظار الموافقة بالمرور .
لاتزال بعض الرصاصات تضيء أطراف المدينة .. ولاتزال اصوات الانفجارات ، تكسر السكون بين اللحظة والأخرى .
لكن مدينة أبين كانت ليلتها على موعد مع النصر ، والتحرر من الجماعات الإرهابية التي سيطرت عليها منذ اكثر من عام .
كان علينا الانتظار ، فتوقفت سيارتنا على حافة الطريق ، وبداخلها جثة عمتي المتوفية في أحد مشافي مدينة عدن ، لنقضي تلك الليلة الموحشة ، على أطراف مدينة ، وكأنها كأنت تصارع لتنتزع انفاسها بصعوبة ، من تحت اجهزة الانعاش .
ومن شدة ارهاقي أتذكر أنني قفوت للحظات ، بعد أن تكيف خدي على اهتزازات وبرودة زجاج نافذة السيارة .
بعد كر وفر اخذ الهدوء يعم شيء فشيء ، فتمت الموافقة لسيارتنا فقط بالعبور ، نظراً لحالة الوفاة .
أخبرونا العسكر أن لا نتوقف حفاظاً على سلامتنا ، فنحن اول المارين.
شقت السيارة طريقها وسط ظلام مخيف . واتذكر أننا قمنا لمرات عديدة بسحب الأنقاض ، وابعاد المخلفات المتناثرة ، حتى نتمكن من العبور .
عم صمت مهيب كل ارجاء المدينة لحظة عبورنا ، فلا نكاد نسمع الا صوت محرك سيارتنا يتردد صداه المتكرر بوضوح وسط سكون الفجر ، وكأنه يعزف سمفونية النصر ، على جدران مدينة نائمة ، تقط في سبات عميق ، مفترشة ركام مبانيها المتناثرة .
مرت سيارتنا مبتعدة ، تاركة أبين ورائها ، وهي لا تزال نائمة مستسلمة للتعب بعد ليلة شاقة .
تركناها ملتحفة رداء دلتاها الأخضر ، وقد تناثرت علية قطرات الندى ، كأنها حبات من لؤلؤ منثور .
لا تزال فاتنة على الرقم من قساوة السنوات العجاف .. لا تزال حسناء ، مهما جرت الحسرة اذيالها عبثاً بملامحها الجميلة .
عدت بعد بضعة أيام من تحريرها، وفي الطريق ، رأيت الكثير من الشاحنات المحملة بالفواكه ، والخضروات ، قادمة من أبين إلى جميع أرجاء البلاد .. لم أمرها يومها ، لكنني شخصت ببصري نحوها وانا سعيد بأنها تعافت سريعاً ، سعدت انها لم تنسى العطاء ، ولم تتخلى عن البذل ، سعدت بإنها نهضت ، متجاهلة جراح المكيدة ، التي طبخت على أنقاضها .
عادت أبين .. لتروي لنا ، حكاية الأرض التي لاتموت .