آخر تحديث :السبت-10 أكتوبر 2026-01:28ص

المواطن… الحلقة الأضعف في الصراع السياسي في اليمن

الثلاثاء - 09 ديسمبر 2025 - الساعة 05:49 م
زياد المحوري


د/ زياد المحوري

في علم الاجتماع السياسي تُعدّ علاقة السلطة بالمجتمع مؤشّرًا رئيسًا على طبيعة الدولة ووظيفتها. وفي الحالة اليمنية، يبدو أن المواطن تحوّل من كونه محور التنمية وغاية العمل السياسي، إلى "مشاهد صامت" داخل عرض طويل من الصراعات، لا يُسمع له صوت إلا عندما يُطلب منه “الصبر” أو “التحمّل الوطني”. نحاول هنا تفكيك موقع المواطن في المشهد السياسي اليمني، وتفسير أسباب تحوّله إلى الحلقة الأضعف في سلسلة تنازع القوى.

من الناحية النظرية، يُفترض أن يكون المواطن هو مركز العملية السياسية، غير أنّ الواقع اليمني قد قدّم نموذجًا مغايرًا، حيث تتنافس القوى السياسية على السلطة بينما يتنافس المواطن على البقاء حياً فقط!!.

فهو واقعٌ بين مطرقة الأزمات الاقتصادية من غلاء وانقطاع خدمات وانهيار عملة، وسندان التجاذبات السياسية التي أتقنت فن "التبرير العلمي" لكل مأساة، حتى أصبح المواطن يواجه يوميًا سؤالًا مصيريًا، من مثل:

هل الكهرباء ستأتي أولًا… أم نهاية الحرب؟!!.

تُظهر الملاحظة السوسيولوجية أن النخب السياسية اليمنية نجحت في بناء “عالم اجتماعي موازٍ”، عالم لا يعرف طوابير البنزين، ولا يسأل عن أسعار الدقيق، ولا يقلقه انقطاع الرواتب. فبينما يُنظّر بعض السياسيين عن "الحلول التاريخية" و"الفرص الاستراتيجية"، يعيش المواطن في معركة يومية مع دبة الغاز التي أصبحت أغلى من معظم الوعود السياسية.

لقد نشأت فجوة صارخة بين عالمين:

عالم المواطن: الأزمات، الطوابير، المعاناة.

عالم النخب: الفنادق، المؤتمرات، التصريحات.

وما يزيد المفارقة سخرية أن بعض النخب بمختلف مسمياتها تتحدث عن "تحسين معيشة المواطن" بينما هم يقيمون في دولة لا يعرف مواطنوها معنى كلمة “تحسين” لأنه تحقّق لهم منذ عقود!.

من منظور فلسفة الدولة، يقوم العقد الاجتماعي على تبادل الحقوق والواجبات. لكن في اليمن، تبدو المعادلة من طرف واحد:

(المواطن يؤدي واجباته القسرية، بينما الدولة تؤجل حقوقه إلى إشعار غير مسمّى).

وهكذا، تحوّلت الدولة إلى فكرة رمزية يتذكرها المواطن فقط عند دفع رسوم، أو عند سماع أخبار "قرارات كبرى"، لا تغيّر شيئًا في حياته اليومية!، ومن سخرية خطاب القوى السياسية، نجد أن المواطن يُستدعى في ثلاثة مواسم فقط:

موسم التعبئة: عندما يتطلب الأمر مظاهرة أو تأييدًا.

موسم الشرعية: حين يصبح “الشعب” مصدر الشرعية الوحيد - على الورق -!.

موسم الوعود: حيث تُوزَّع نصوص مرصّعة بالآمال مثل: "قريبًا"، "سنقوم"، "نعمل من أجلكم"!.

وبعد انتهاء الموسم، يعود المواطن إلى موقعه الطبيعي: الحلقة الأضعف، و يصبح من السهل ملاحظة أن المواطن يعيش في "وضع طبيعي جديد"، حيث الخبر الجميل هو: (لا يوجد خبر سيئ اليوم)!.

ولعل المضحك المبكي أن المواطن أصبح يمتلك قدرة خارقة على التكيّف، حتى باتت المنظمات الدولية تنظر إليه كنموذج حي ل "قوة التحمل البشرية"، ورغم كل ذلك نؤكد لجميع إنّ المواطن اليمني ليس مجرد "حلقة ضعيفة"؛ بل هو الحلقة الوحيدة الحقيقية في سلسلة سياسية تستهلك طاقات البلد، بينما تزداد النخب السياسية والأمنية ثراءً وابتعاداً عن الواقع، وإلى أن تتمكّن القوى السياسية من إعادة تعريف دورها وفق عقد اجتماعي جديد، سيظل المواطن بطلًا حقيقيًا… لكن في مسرحية بلا تصفيق!.



الثلاثاء 9/ ديسمبر/ 2025م