الجنوب اليوم، من المهرة إلى باب المندب، يستيقظ على لحظة تاريخية فارقة. فصوت الأرض يعلو من بين الأمواج والجبال، وصدى الإرادة الشعبية يرتفع في كل مدينة وقرية، آن أوان الدولة، آن أوان الاستقلال والسيادة..
لم يعد الجنوبيون يطالبون بما هو حلم بعيد المنال، بل بما صار واقعاً يفرضه نضال أجيال وسنوات طويلة من التضحيات والصمود..
ثلاثة عقود كاملة خاض فيها أبناء الجنوب معارك الوجود والكرامة، وتحملوا ما لم يتحمله شعب آخر من الآلام والمظالم، ليصلوا اليوم إلى عتبة النصر والسيادة، فعندما اندلعت الحرب في عام 2015، كان الجنوب هو الصخرة الصلبة التي تحطمت عليها ميليشيا الحوثي وأذنابها، وفي لحظة تاريخية نادرة، استعاد الجنوبيون أرضهم بسواعدهم، وبدأوا بناء مؤسساتهم الأمنية والعسكرية وسط تحديات هائلة ومؤامرات متشابكة، محلية وإقليمية، أرادت زج الجنوب في فوضى الإرهاب والاضطراب، لكن الجنوب لم يستسلم، فقد أدرك الرئيس القائد عيدروس الزبيدي، بنباهة سياسية وحنكة ميدانية، أن معركة الاستقلال لا تربح في الميدان العسكري وحده، بل في ميدان الوعي والإدارة والقدرة على مواجهة التحديات المركبة فقاد الانتقالي الجنوبي، بإصرار، معركة التطهير من الإرهاب في عدن ولحج وحضرموت، وواجه الحملات التي أرادت كسر إرادة شعب الجنوب من خلال تجويعه وإرباك معيشته وتفكيك نسيجه الاجتماعي، ورغم إدراكه لحجم المؤامرة، مضى الزبيدي في خيار الشراكة ضمن حكومة الشرعية، إيماناً بفرصة بناء تسوية وطنية تحمي الجنوب وتخدم هدف الاستقرار الإقليمي، غير أن خصوم الجنوب لم يبددوا شكوكه فحسب، بل أكدوا بالدلائل أن مشاريع العرقلة والتآمر ما زالت حاضرة في بنية حكومة "الشرعية" الهشة التي لم تخل من اختراقات استخباراتية وولاءات متصارعة تعمل ضد مصالح الوطن والجنوب معاً..
اليوم، وبعد عقد من حرب أنهكت كل الأطراف، يقف الجنوب كقوة فاعلة تحمل مشروعاً وطنياً ناضجاً، لا يقوم على العداء، بل على استعادة الحق التاريخي لشعبٍ قدم أغلى ما يملك في سبيل حريته..
فالقوات المسلحة الجنوبية تسيطر على كامل التراب الجنوبي، وتحمي المنافذ والممرات البحرية والبرية، وتغلق منافذ التهريب التي استغلها الحوثيون وإيران في تهديد الأمن الدولي، في الوقت الذي يتقاعس فيه العالم عن مواجهة مصادر الخطر الحقيقي في شمال اليمن، ولهذا، لم يعد النداء الشعبي الذي يملأ الجنوب ترفاً سياسياً، بل حتمية تاريخية واستجابة منطقية لمسار طويل من التضحيات..
الجماهير التي خرجت في عدن والمكلا والضالع وأبين ولحج وشبوة والمهرة وفي كل مناطق ومدن الجنوب لا تطالب بالمستحيل، بل بحقها المشروع في إقامة دولتها المستقلة، بعد أن أثبتت أنها تمتلك كل مقومات الدولة من أرض وسيادة وشعب وإرادة سياسية مستقلة قادرة على حماية نفسها والمحيط من حولها..
إن إعلان الدولة الجنوبية المستقلة لم يعد خياراً قابلاً للمساومة، بل ضرورة تفرضها متغيرات الواقع ومقتضيات الأمن الإقليمي والدولي..
إنها ليست خطوة ضد أحد، بل خطوة نحو غد أكثر عدلاً واستقراراً، نحو جنوب حر قادر على أن يكون دعامة للأمن العربي والعالمي، لا ساحة لصراعات الآخرين..
وهكذا، يقف الرئيس عيدروس الزبيدي أمام نداء شعبي جارف، لا يسمو عليه اليوم سوى نداء التاريخ نفسه، أن يمنح للجنوب حقه الكامل في الحرية والسيادة، وأن يعلن للعالم أن الجنوب، بدماء أبنائه وصمود إرادته، قد صاغ ميثاق ميلاد دولته الجديدة..