/عدنان زين خواجه
أكثر من عشر سنوات مرّت منذ تمكن أبناء الجنوب والقوات الحنوبية من دحر مليشيا الحوثي وقوات الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح من أغلب المحافظات الجنوبية. كان ذلك التحرير بالنسبة للجنوبيين محطة محورية في تاريخهم الحديث، ومحطة انطلاق لحلم بناء دولة مستقرة تستعيد مؤسساتها وتدير مواردها بعيدًا عن سطوة المركزية التي أثقلت البلاد لعقود.
لكن السنوات اللاحقة حملت معها خيبة أمل كبيرة. فبينما كانت الشرعية اليمنية تملك معظم أراضي الشمال، ولم تكن مأرب ولا الجوف ولا أرحب ولا نهم قد سقطت بعد، امتلك جيشها ترسانة ضخمة من الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، بدءًا من المدفعية المتطورة وراجمات الصواريخ، مرورًا بالدبابات الحديثة والعربات المدرعة، وصولًا إلى المدفعية ذاتية الحركة—إلا أن تلك القوة لم تُستثمر في استكمال تحرير البلاد من الحوثيين، بل تحولت في لحظة سياسية وعسكرية مرتبكة إلى وجهة أخرى تمامًا.
انسحابات مثيرة للجدل وحرب على الجنوب
شهدت الجبهات الشمالية انسحابات واسعة وبدون مبررات واضحة، تسببت في سقوط محافظات كاملة بيد الحوثيين، الأمر الذي اعتبره الجنوبيون خدمة مباشرة لمشروع الانقلاب. وبينما تهاوت عشرات الألوية في مشهد وصفه مراقبون بـ"المسرحية الهزلية"، بدا وكأن القوات التي كانت تتغنى بـ"الحفاظ على الوحدة" لم تكن متمسكة بالأرض التي يفترض أن تدافع عنها، بل تخلت عنها طوعًا ومعها مخازن أسلحة وتجهيزات كان التحالف قد وفرها لها.
أمام ذلك، شعر الجنوب بأن الوحدة تحولت إلى عبء ثقيل، وأن من يرفع شعارها لم يقاتل من أجلها، بل ترك أراضيه للانقلابيين وانشغل بصراع آخر: التضييق على الجنوب ومحاولة إعادة السيطرة عليه بقوة السلاح.
حرب اقتصادية شاملة ومعاناة جنوبية متفاقمة
رغم قبول الجنوبيين بأن تدار مؤسسات الشرعية من عدن بعد تحريرها، إلا أن الوضع سرعان ما تبدل إلى نمط من العمل الحكومي الذي رأى المواطنون فيه عقابًا جماعيًا: انهيار العملة إلى مستويات قياسية بلغت أكثر من 1300%، توقف الخدمات الأساسية، انهيار التعليم، غياب الرعاية الصحية، تدهور الاتصالات، وارتفاع معدلات الفقر لمستويات غير مسبوقة.
رواتب القطاع الحكومي في المناطق المحررة فقدت قيمتها، وباتت عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من المعيشة. في المقابل، بقيت القوات التابعة للشرعية متمركزة في محافظات جنوبية دون أي دور حقيقي في مواجهة الحوثيين، بينما اتُّهمت بفتح ممرات للتهريب وبحواضن للفساد ونهب الموارد.
معركة الساحل الغربي… وانقلاب "استوكهولم"
لم ينسَ الجنوبيون أن قواتهم حققت في الساحل الغربي انتصارات كبيرة وصلت إلى تخوم الحديدة، المدينة التي تشكل شريان الحياة العسكري والمالي للحوثيين. وفي الوقت الذي كان الوصول إلى مينائها مسألة وقت، جاءت مفاوضات "استوكهولم" لتوقف التقدم وتفرض انسحابًا مفاجئًا من عشرات الكيلومترات، حافظ عمليًا على بقاء الحوثيين.
اعتُبر ذلك القرار نقطة تحول خطيرة، أكدت للجنوبيين أن جهودهم الميدانية تُجهض سياسيًا كلما اقتربت من تحقيق أهداف استراتيجية.
3 ديسمبر 2025… سقوط آخر أوراق الشرعية في الجنوب
بعد سنوات طويلة من الصبر وانتظار أن تعيد الشرعية توجيه قواتها إلى الجبهات الشمالية لقتال الحوثي وإثبات نواياها تجاه الوحدة، وصل الجنوب إلى قناعة نهائية: تلك القوات لم تُنشأ لحماية الدولة ولا لاستعادة صنعاء، بل أصبحت جزءًا من شبكة مصالح مرتبطة بامتيازات اقتصادية وعمليات تهريب وفساد.
وفي الثالث من ديسمبر 2025، تمكنت القوات الجنوبية من إنهاء وجود المعسكرات الموالية للشرعية في المحافظات الجنوبية، في خطوة اعتبرها كثيرون "استعادة السيادة على الأرض" وقطعًا لآخر خيوط النفوذ الذي ظل ينهب ثروات الجنوب لسنوات بينما يعاني المواطن من الفقر والحرمان.
الجنوب… على أعتاب مرحلة جديدة
اليوم يشعر الجنوبيون أنهم أمام لحظة فارقة. لحظة يشبهها البعض بلحظة "البيان رقم (1)"، وهي اللحظة التي تعلن فيها الشعوب انتهاء مرحلة وبداية أخرى جديدة تختلف جذريًا عن كل ما سبق.
فبعد أكثر من عقد من الصبر والمعاناة والخذلان، يرى الجنوبيون أن مشروعهم لم يعد قابلًا للتأجيل، وأن تحرير الأرض يجب أن يتبعه تحرير القرار السياسي والاقتصادي، وأن الجنوب الذي صمد أمام الحرب العسكرية والاقتصادية على السواء يستحق أن يكتب فصله التالي بنفسه.