المقال يتناول وجهة نظر أحد الباحثين البريطانيين عن الحيثيات السياسية والعسكرية التي صنعت قرار الانسحاب من عدن، وكيف رأت النخبة البريطانية تلك اللحظة التاريخية.
في مقال بعنوان “الصراع بين صخور عدن الناتئة”، يستعرض الكاتب البريطاني المتخصص بالشأن اليمني جيمس سبنسر الواقع السياسي والعسكري داخل بريطانيا خلال ستينيات القرن الماضي.
سياسياً، كان بعض البريطانيين يعتقدون أن عصر الهيمنة القديمة يوشك على نهايته مع بروز قوى عالمية وإقليمية جديدة، فيما كانت تيارات سياسية وجماعات ضغط داخل بريطانيا تطمح للحاق بهذه المتغيرات.
أما على المستوى العسكري، فقد كان الجيش البريطاني مؤسسة محافظة بطبيعتها، يضم في قياداته ضباطاً شاركوا في الحرب العالمية الثانية وخدموا في مستعمرات مختلفة، بينما كان الجنود من جيل شاب يحمل ثقافة جديدة ممزوجة برفاهية ما بعد الحرب وأفكار الحرية والليبرالية. وهذا خلق تبايناً في المنظور بين جيلين داخل المؤسسة العسكرية.
اعتمدت بريطانيا في مواجهة ثورة جنوب اليمن على استراتيجية تقليدية قوامها المعسكرات الثابتة التي تنطلق منها الدوريات للسيطرة على المناطق الملتهبة، إلى جانب تكثيف نقاط التفتيش والعمليات العقابية. كما تبنت أساليب تعتمد على “كسب القلوب” مثل إرسال أطباء ومسعفين للقرى المستهدفة أو توزيع الحلوى على الأطفال في الأحياء التي تقتحمها. وكانت القوات البريطانية تهتم كثيراً بجمع معلومات استخباراتية عن الدين والطقوس والحياة العامة قبل تنفيذ أي عملية اقتحام.
وفي المناطق الجبلية والنائية، كانت بعض العمليات تُنفذ بمساندة سلاح الجو الملكي عبر “الضربات الجوية” التي استهدفت منازل لثوار إما وهم بداخلها أو بعد إخلائها، مع إخطار السكان مسبقاً لتجنب سقوط ضحايا مدنيين ومنع دائرة الانتقام.
ورغم أن عدن كانت مركزاً عسكرياً واقتصادياً مهماً لبريطانيا منذ افتتاح قناة السويس عام 1869، وعنصراً أساسياً في سلسلة اللآلئ الممتدة نحو الشرق، إلا أن التغيرات السياسية العالمية وتقلص الإمبراطورية البريطانية جعلا السؤال مطروحاً: هل تحتاج بريطانيا فعلاً للاحتفاظ بعدن؟
داخل دوائر صنع القرار برز اتجاهان رئيسيان:
الأول يرى البقاء كما حدث في أيرلندا الشمالية وقبرص وجبل طارق، والثاني يدعو للانسحاب على غرار ما جرى في مستعمرات عديدة بعد الحرب العالمية الثانية.
ورغم أن القوات البريطانية كان يمكنها من الناحية العسكرية الاستمرار في السيطرة على عدن، فإن الثمن كان سيكون باهظاً من حيث الخسائر البشرية، والضغط السياسي والإعلامي الداخلي، خاصة مع الحملات المساندة للثورة عبر الصحافة وإذاعة “صوت العرب”.
وزاد الموقف تعقيداً الدعم السياسي والشعبي الذي حظي به الثوار في عدن، بما في ذلك من الأقليات والطوائف المختلفة.
لكل ذلك، اتخذت حكومة العمال البريطانية قراراً سياسياً حاسماً بأن يكون الانسحاب في 30 نوفمبر 1967 دون تمديد.
ومع اقتراب موعد الجلاء، أدرك كثير من كبار الموظفين والتكنوقراط في عدن أن أي تسوية تبقي المدينة تحت وصاية بريطانية باتت شبه مستحيلة، فغادر كثير منهم إلى دول الجوار أو استقر بهم المقام في بريطانيا. وفي تلك الأثناء، كانت الجبهة القومية، وجبهة التحرير قد بدأت مرحلة جديدة من الصراع للسيطرة على المدينة، وكأن الوجود البريطاني لم يعد له أي تأثير.