آخر تحديث :الإثنين-26 يناير 2026-03:13م

حكاية من رحم الألم إلى ضوء الحب

الثلاثاء - 25 نوفمبر 2025 - الساعة 09:03 م
بشرى نصير

بقلم: بشرى نصير
- ارشيف الكاتب


في زاوية من زوايا الحياة، وُلد طفل لا يشبه الأطفال الآخرين. لم يكن له من الطفولة سوى الاسم، أما المعنى فقد غاب خلف ستار من الألم. كانت أيامه الأولى كصفحات رمادية، لا لون فيها ولا دفء. لم يعرف يومًا كيف يضحك بلا خوف، أو كيف يركض خلف الفراشات في الحقول، كما يفعل الصغار. كان كعصفورٍ صغيرٍ وُضع في قفص من حديد، يسمع زقزقة الآخرين لكنه لا يعرف كيف يغني

لم تكن طفولته مرجًا أخضر، بل كانت أرضًا قاحلة، لا تنبت فيها سوى الأشواك. بدلًا من أن يلهو تحت شمسٍ دافئة، كان يحمل على كتفيه أثقالًا لا تُحتمل. غاب عنه حنان الأهل، فصار قلبه كبيتٍ مهجور، تصفر فيه الريح ولا يسمع فيه صوت دفء. المشاكل الأسرية لم تكن عابرة، بل كانت كجدارٍ من الطين، كلما حاول تجاوزه، غاص فيه أكثر.

ومضت الأيام، وكبر الطفل، لا لأن الزمن أراد ذلك، بل لأن الحياة أجبرته. صار رجلًا يحمل مسؤولية نفسه وبيته، في وقتٍ كان فيه أقرانه لا يزالون يتعلمون كيف يكتبون أسماءهم. كانت الحياة كبحرٍ هائج، وهو وحده في زورقٍ صغير، يتحدى الأمواج بلا مجداف. المشاكل لم تنتهِ، بل كانت كظلٍ يتبعه أينما ذهب، لكنها لم تكسر روحه.

رغم كل شيء، لم يمت الحلم في قلبه. كان الحلم كشمعة في عتمة، تحترق لكنها تنير الطريق. درس، اجتهد، دخل الكلية، وتخرج منها بشهادةٍ كانت كوسامٍ على صدره. صار دكتورًا، له مكانته واسمه، لا لأن الحياة أرادت ذلك، بل لأنه أراد أن ينتصر.

ثم، فجأة، دخل الحب حياته كنسمة ربيع بعد شتاءٍ طويل. فتاة كانت كضوءٍ تسلل إلى قلبه المظلم، فأزهرت فيه الحياة من جديد. أحبها، ورأى فيها كل ما افتقده. كافح من أجلها، رغم أن أهلها لم يروه يومًا خيارًا. قاوم، صبر، وأثبت أن الحب لا يُهزم إذا كان صادقًا.

واليوم، يعيش معها حياةً هادئة، مليئة بالحب والسكينة. لم تكن النهاية مجرد سعادة، بل كانت انتصارًا على كل ما مضى. كانت قصته ككتابٍ كُتب بالحبر والدمع، لكن صفحته الأخيرة كانت مكتوبة بالفرح.