آخر تحديث :الجمعة-10 أبريل 2026-05:41م

في خدمة السكينة العامة

الإثنين - 24 نوفمبر 2025 - الساعة 11:00 م
القاضي عبدالناصر سنيد

بقلم: القاضي عبدالناصر سنيد
- ارشيف الكاتب


العمل كقاضٍ في المحكمة عمل شاق لا أنصح به، يستنزف كثيرًا من صحة القاضي وطاقته. معظم القضاة – إلا ما رحم ربي – يرتدون النظارات بقياسات فلكية، ويرتادون المستشفيات بحثًا عن العافية.

القاضي… وما أدراك ما القاضي! يمضي نهاره في روتينه المعتاد، يتصدر قاعة المحكمة وهو محاط بالمتخاصمين، يستمع بتأنٍ وعناية إلى عرائضهم وطلباتهم ودفوعهم. وأحيانًا يستمع إلى نبرات صراخهم، وأحيانًا يرى قطرات دموعهم.

ويمضي الليل وحيدًا في لحظة تأمل، يطالع ويدرس ملفات القضايا، يحاول أن يجد بين الملفات الحلول التي ترضي الأطراف وتحافظ على صِلات الرحم، فإن لم يستطع بحث في ملف القضية عن الحق لتكون كلمة الحق هي العليا.

وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا حول عدالة الأحكام التي يصدرها القضاة، فإن اتفاقنا أو اختلافنا لن يقدّم أو يؤخر شيئًا، لأن الحكم – في لغة القانون – عبارة عن تعبير بليغ حصيف عن قناعة القاضي، ولا يحق مناقشة هذه القناعة إلا لمحكمة أعلى درجة، مع حقها في تأييد الحكم أو رفضه.

لقد بدأت الناس في المقاهي العامة تتناول الأحكام القضائية بالنقاش، بتشجيع خاص من بعض المواقع الإلكترونية وتطبيقات مثل “فيسبوك” و”واتساب”. وقد صادف أنني كنت في أحد المقاهي حين احتدم نقاش كهذا بشأن أحد الأحكام، بين مؤيد وناقد. سمعت آراءً كثيرة… منها ما يضحك، ومنها ما يثير الاهتمام، وكان بعض المنتقدين يتحدثون وكأنهم مطلعون على كل تفاصيل ملف القضية!

تدخلت – وقد بدا تدخلي متطفلًا – في محاولة صريحة لوضع حد لمثل هذا النقاش، لإيصال رسالة مفادها أن الأحكام القضائية هي قناعة قاضٍ يجب احترامها.

بدأت حديثي بالثناء والتقدير للقضاة على الجهد الذي يبذلونه في سبيل الحفاظ على السكينة العامة، موضحًا أن القانون – مهما كان مثاليًا – يبقى نصوصًا جامدة، وأن القاضي هو من يمنح هذه النصوص شيئًا من إحساسه ومشاعره ونبضات قلبه. فالنصوص لا تُبصر إلا ببصر القاضي، ولا تشعر إلا بإحساسه، ولا تفكر إلا بعقله. تحيا النصوص وتنبض من خلال ما أودعه الله تعالى في شخص القاضي من رحمة وحكمة، وهو الذي يقضي الساعات وهو يعاين النصوص، يزن الأدلة ويفاضل بينها من جهة القوة والحجية، ليبني عليها قناعته بتروٍّ وبطء، وهو متوجس من الخطأ.

يقضي القاضي لياليه بين الهم والقلق، لأنه يعلم ويدرك أن حساب الغد ليس أمام هيئة التفتيش القضائي أو مجلس القضاء الأعلى، بل أمام من لا يَغفل ولا ينام.

وإذا سلّمنا بأن القاضي قد يخطئ – فمن منا لا يخطئ؟ – فالقاضي بشر يصيب مرة ويخطئ مرات، لأن الخطأ يجري في الإنسان مجرى الدم. وليس أحدٌ معصومًا من الخطأ، ويكفينا حديث أم المؤمنين أم سلمة – رضي الله عنها – عن رسول الله ﷺ:

"إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فإنما أقطع له قطعة من النار."

وهذا الحديث يشير بوضوح إلى أن الخطأ وارد، ولا يُعذَّب القاضي إلا إذا تعمد الظلم، أما إذا وقع في الخطأ وهو يعتقد أن حكمه عادل، فالأمر هنا راجع إلى صدق النية، ولا يعلم النوايا إلا الله تعالى.

لذلك أقول: دعوا القضاة وشأنهم، فأنتم لا تعلمون كيف ينام القضاة وكيف يستيقظون! نحن القضاة لا نرى الكوابيس في منامنا… بل نراها عند استيقاظنا.

فإذا التمستَ لصديق تحبه عذرًا واحدًا، فإن القضاة يستحقون أن تُلتمس لهم ألف عذر، قياسًا على الظروف الاستثنائية والقاسية التي يعملون بها، ومع ذلك يعملون بصبر، ويسهرون الليل كي ينعم المجتمع بالسكينة.

وكفى بالله حسيبًا



عبدالناصر أحمد عبدالله سنيد