من قلب السجن، يكتب أرسلان نبيل حكايته التي امتدت منذ طفولته حتى هذه اللحظة، حكاية امتلأت بالوجع والكفاح والصبر فوق طاقة البشر. وُلد أرسلان بين أربعة أعمام وعمّتين، لكن الجميع كان يعيش تحت ظل عمّه الأكبر، الرجل المتسلّط الذي فرض سيطرته على الأسرة بلا رحمة. خوفهم منه جعله يتحكم فيهم بالكامل؛ انتزع منهم وكالة شاملة تمنحه حق التصرف في كل شيء، حتى في قرارات التنازل، وكأنهم بلا صوت ولا إرادة. يقول أرسلان: "كانوا جميعًا يخضعون له، لا أحد يستطيع قول كلمة… كان هو المتحكم في مصائر الجميع."
ورغم أنه كان من المفترض أن يكونوا سندًا له، كانت طفولته أقسى مما يحتمله طفل. لم يعرف اللعب ولا البراءة. كان "الولد الذي يخدم الجميع"، اليد اليمنى لعمّه، يحفظ أبناءه، ويعمل في بيته، ويتحمل الشمس والبرد والجوع بينما أطفال سنه يمرحون في الأزقة. كل ذلك لم يُقابل بشكر أو تقدير؛ بل قوبل بالقسوة والجحود والحقد الذي حرمه حتى من أبسط حقوقه داخل عائلته.
ومنذ أن كان في السابعة من عمره، حمل أرسلان همّ حياته وحده. بدأ يعمل ببيع البيض والبفك والطرزان والحلوى الصغيرة ليشتري لنفسه ولأخته الزي المدرسي والدفاتر والكتب. كان يعرف أن خسارة يوم من العمل تعني توقفه عن التعليم، لذلك تمسّك بدراسته، وواصل تفوقه حتى أنهى الثانوية العامة بمعدل 90% رغم الظروف الصعبة والانتقال من مدرسة لأخرى واعتماده الكامل على نفسه.
لم تنتهِ معاناته عند هذا الحد. فقد عمل في البناء، يحمل الحجارة والبلط ويخلط “النيس” ويتعب تحت الشمس كي يساعد أسرته وأعمامه. كان يرى الأطفال يلعبون فيتمنى أن يكون بينهم، لكن الخوف والظروف دفعتاه لأن يتحمل كل شيء بصمت.
ومع كل هذا التعب، لم يتمكن من تحقيق حلمه في الدراسة الجامعية… انهار كل شيء فجأة، وتحطّمت أحلامه التي بناها بعرقه وجهده.
ثم جاءت مرحلة السجن، لكنها لم تُطفئ فيه روح المسؤولية. داخل الزنزانة، عمل في التنظيف والغسيل وبيع الملابس الداخلية ومساعدة أصحاب البقالات داخل السجن لكسب القليل من المال. لم يكن الهدف أن يأكل أو يعيش، بل ليُرسل لأمه وإخوته ما يحتاجونه. يقول:
"كنت أخاف أن يشعروا بأنهم بلا سند… لم أرد لهم أن يمدّوا يدهم لأحد غير الله. كنت أجوع أيامًا ولا أصطبح ولا أتعشى حتى أوفّر لهم ثمن طعام أو دواء."
يحكي عن أخيه المعاق الذي لا ينام إذا تأخر علاجه، وعن سعيه المتواصل لاستدانة المال لتأمين دوائه. وعن أخته الصغيرة التي كان يجري من مكان لآخر فقط ليضمن لها زيّها المدرسي ودفاترها دون أن تشعر يومًا بأنه عاجز أو منهار.
"كنت أزرع الابتسامة في وجوههم… بينما الألم داخل صدري لا يعرفه أحد."
أرسلان يعترف بأنه كتوم، لا يفضفض إلا لمن يأمنه قلبه، لكن الألم الذي يحمله أكبر من أن يُخفى. طفولة مسروقة، وشباب أنهكه العمل والمسؤولية، وسجن حوّله رغم قسوته إلى مصدر رزق وحيد لأسرته.
ومع كل ما فعله، ومع كل ما قدمه لأعمامه وأسرته، يأتي ذلك العم نفسه — صاحب السلطة والهيمنة — ليكون أول من يقسو عليه، ويضاعف معاناته، ويسعى — كما يقول — لتحطيم حياته وحياة أسرته.
ومع ذلك، يكتب أرسلان بصوت المؤمن الصابر:
"الحمد لله على كل حال… ما يبتلينا الله إلا ليختبر صبرنا، وليعوضنا خيرًا. تحملت ورضيت، وأثق أن الله معي ولن يضيعني. حسبي.