آخر تحديث :الثلاثاء-20 يناير 2026-07:20م

"جمهورية التكليف.. هندسة النفوذ المؤقت"

الأحد - 16 نوفمبر 2025 - الساعة 02:20 م
محمد علي رشيد النعماني

بقلم: محمد علي رشيد النعماني
- ارشيف الكاتب



"السلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة." اللورد أكتون - سياسي وفيلسوف بريطاني ..

"الرقابة هي الثمن الأبدي للحرّية." توماس جيفرسون - سياسي وفيلسوف ورئيس امريكي ..


يعيش اليمن مفارقة إدارية عجيبة أصبح معها “التكليف” في المناصب العليا قاعدةً غير معلنة، بينما يفترض أن يكون أداة استثنائية لضمان استمرارية العمل، الأمر الذي يثير سؤالاً جوهرياً "هل يُستخدم التكليف كحل إداري مؤقت أم بات بوابة لتكريس نفوذ سياسي وخلق ثغرات تسمح بانحرافات مالية وإدارية"؟ الحقيقة أن هذا الأسلوب، في سياق هشّ مثل السياق اليمني، لا يمكن النظر إليه ببراءة كاملة؛ فالمسؤول المكلّف يدرك أنه مؤقت، وأن ولايته قد تنتهي بقرار واحد، ما يجعله في سباق مع الزمن لترتيب نفوذه أو حماية مصالح الجهة التي دعمته، بينما تقف مؤسسات الرقابة عاجزة أمام سرعة القرارات ومرونة الحركة التي يتمتع بها المسؤول المؤقت مقارنةً بالمسؤول المعيّن رسمياً. ومع ذلك، لا يمكن اختزال المشكلة في الأشخاص وحدهم؛ فالتكليف بذاته ليس خطيئة إدارية، بل يصبح خطراً حين يجري توظيفه في بيئة مفتوحة على الضغوط السياسية وغياب الضوابط، فتتحول القرارات المالية إلى إجراءات بلا جذور مؤسسية، وتُمنح التعاقدات وتصرف الأموال بمنطق “اليوم لنا، وغداً قد نغادر”، وهو منطق ينسف فكرة الإدارة المستقرة التي يفترض أن تدير المال العام بعقل بارد ورؤية ممتدة. ولأن الشرعية اليمنية تعيش معادلة شديدة التعقيد بين ضرورة التوافق السياسي وغياب المؤسسات المستقرة، اتجهت إلى التكليف باعتباره خياراً عملياً يجنّبها صدامات التعيينات الدائمة، لكنها بذلك صنعت مشكلة موازية "تعدد مراكز القرار داخل الوزارات، واتساع مساحة الضباب بين صلاحيات المكلّف وصلاحيات المعيّن" وهو ما فتح الباب أمام تحركات “خلف الخطوط” لا تخضع للرقابة ولا تُحاسَب بسهولة. المثير أن ظاهرة التكليف لم تعد مجرد إجراء إداري، بل تحولت إلى لغة سياسية يفهمها الجميع "الأطراف تريد نفوذاً سريعاً، والمسؤول يريد بصمة خلال فترة قصيرة، والرقابة تحاول اللحاق بقرارات تمرّ بعجالة، فيما يدفع المواطن ثمن إدارة تُدار بروح مؤقتة لا تؤمن إلا بالحلول الإسعافية" ما يحتاجه اليمن ليس إلغاء التكليف بل تحجيمه وإعادته إلى موقعه الطبيعي ، استثناء لا قاعدة، وأداة لإدارة الوقت لا أداة لإدارة النفوذ. فحين تُربط فترة التكليف بضوابط للمساءلة ومعايير للشفافية وحدود واضحة للصلاحيات، يصبح المسؤول المكلّف ملتزماً مثل أي مسؤول دائم، وحين تُفعّل الرقابة بما يكفي لردع “الاجتهادات المالية” التي تختبئ خلف كلمة “مؤقت”، عندها فقط يستعيد التكليف دوره الحقيقي كأداة لحماية المؤسسة لا أداة لاستنزافها. ومن دون ذلك سيبقى التكليف عنواناً لأزمة أعمق ، دولة تُدار بعقلية اليوم الواحد، بينما المطلوب دولة تُدار برؤية عقد كامل ..


بقلم / محمد علي رشيد النعماني ..