سليم ثابت
تدرس وتجتهد تسهر الليالي بين دفاتر الأمل، وعيون والديك تترقب فجرا يحمل لك ولهم فرجا من الفقر والضيق فتمر السنوات وقد انهكتك الدروس، وقلب أمك وقوت أبيك يحلمان أن تكون ثمرة صبرهما التي يترنحون عليها في عجزهم.
تتخرج ترفع شهادتك بين الزغاريد والدموع وتظن أن الأبواب ستفتح وأن لوطنك قلبا يتسع لك لكنك تصحو على كابوس اسمه الواقع فتكتشف فيه أن الشهادات لا تطعم جائعا ولا تفتح باب وظيفة ما لم يكن خلفك ظهر من الفاسدين أو واسطة من أبناء الذوات واقع جعل الكفاءة غريبة في وطنها وجعل الولاء للأشخاص أهم من الولاء للوطن.
في بلاد تباع فيها الوظائف كما تباع الخضروات وتقسم المناصب كما تقسم الغنائم بين اللصوص
وأبناء هذا الوطن الطيب يمشون بأحلامهم المكسورة على أرصفة البطالة يطرقون الأبواب فلا يسمعون سوى صفعة الرفض أو سخرية مسؤول مترف ولد في نعيم الفساد وترعرع في حضن الواسطة بينما أبناء الفاسدين يتنقلون بين المناصب كما يتنقل الأطفال بين الألعاب يعيشون في قصور فارهة ويسافرون على حساب شعب بالكاد يجد لقمة يومه.
كم من خريج عظيم صار بائعا متجولا؟وكم من شاب حلم أن يكون طبيبا يخدم وطنه فإذا به يغترب في أرض غريبة يهان ويذل ليطعم أهله بكرامته؟وكم من فتاة درست بجهد ونقاء؟ ثم جلست تنتظر وظيفة ولكنها لم تأتي لأن من نالها كان ابن مسؤول أو قريب نافذ؛ هكذا صارت بلادنا وطن طارد لأبنائه لا يحتضن إلا اللصوص والمتملقين من القمة إلى القاعدة دولة مخنوقة بشبكات المصالح وأحزاب تتاجر بالوطن وجماعات تقتات على معاناة الناس ومنظمات ترتدي ثوب الإنسانية وهي تمارس أنانية أبشع من الحروب نفسها.
وطن يقطنه شعب أنهكته الأزمات وضللته الشعارات؛ شعب يصفق للجلاد ويطبل للفاسد ويمتدح الظالم وهو يسرق خبزه لأننا نسينا كيف نغضب ونسينا أن الكرامة لا تشترى بالوعود صرنا نبحث عن بطولة في فزعة فارغة أو شهامة ميتة نغطي بها عجزنا أمام وطن ينهار كل يوم وصار الفساد فيه ثقافة والمحسوبية نظام حياة فصار الشريف مستغربا والصادق متهما بالحماقة؛ أما أولئك الذين سرقوا البلاد والعباد فيجلسون في القصور يتحدثون عن الوطنية ببطون امتلأت من قوت الجائعين ويحيط بهم جيش من المأجورين يكتبون لهم القصائد ويصنعون لهم هالة الزيف فأي وطن هذا الذي يسحق أبناءه؟وأي وطن هذا الذي يضيق بمن أحبوه واتسع لمن سرقوه؟
لنبكي على اليمن وعلى انفسنا.. لنبكي على وطن اغتيل فيه الحلم وبيعت فيه الكرامة وصار فيه الفساد شرفا والسكوت حكمة والرجال فيه منزوعين الإرادة ولكن البكاء لن يستعيد وطنا فالأوطان تستعاد بالغضب الشريف واحياء الضمائر الميتة .
ولأن هذا الوطن ليس ملكا للفاسدين ولا إرثا للمتملقين فإن فجره الحقيقي سيولد من رحم هذا الألم من بين أنقاض هذا الخراب سينهض جيل لا يعرف الخضوع ولا يبيع صوته ولا يسكت عن حقه جيل يؤمن أن اليمن لا تموت لأنها تعيش في قلوب من أحبّوها بصدق ومن قرروا أن يكونوا آخر من ينام وأول من ينهض ليعيد للوطن ملامحه المسروقة، ولكن متى سيكون هذا ؟ لا ادري ولكن خاتمة المقال أبت أن ترتدي قشيب اليأس فالبستها الأمل عبثاً.
سليم المعافري