آخر تحديث :الأربعاء-11 فبراير 2026-11:27م

ثلاث "مقاتلات" من لحج

الجمعة - 07 نوفمبر 2025 - الساعة 04:49 م
انسام عبدالله

بقلم: انسام عبدالله
- ارشيف الكاتب


بينما أعد "تقاريري" الإنسانية والبيئية المعتادة ..لعدد من المنصات الإخبارية، أصادف العديد من النساء ممن تمثل قصصهن الإنسانية محور هام ومفصلي في جسد التقرير، لصدق طرحهن و قوة حجتهن في التعبير عن أنفسهن .


و من هذه القصص استوقفتني ثلاث "نساء" محاربات بكل ما للكلمة من معنى .. يجابهن ظروف ما بعد الحرب ببطولة و استقلال لم يُسطَّر من قبل ..


وهنا سأسرد القصص حسب الترتيب الزمني للتقارير وليس "للأفضلية" :


1_ الصيادة الجسورة " *أم محمد*" من منطقة خور عميرة _الصبيحة ..


هذه المرأة تعمل كصيادة محترفة تذهب برفقة زميلاتها الصيادات الأخريات فجرا .. بقاربهن إلى وسط البحر ..حيث تتجمع الأسماك.. يرمين الشباك ، ويسحبنها كما "الرجال" بكل بسالة ..ويبحرن ثانية إلى الساحل عائدات بالصيد الثمين ليبعنهُ بأسعار السوق المعتمدة ..ويشتري منهن الجميع ..بلا تحفظ في التعامل معهن كونهن نساء، ولا يستطيع أحد استغلالهن ! .


و عند التدقيق في حديث "أم محمد" وهي تشكو عدم وصول المنظمات الداعمة لهن بالشكل الكافي ..فإننا لا نرى انكسارا أو "مسكنة" ..بل قوة وإصرار ..و دعوة لذوي الشأن بالمساعدة حتى يكملن المسير على طريق إعالة أسرهن .



2_ المزارعة البطلة "نصرة" من منطقة "الحسيني _تبن ، صادفناها وهي عائدة أدراجها إلى بيتها بعد عمل يوم شاق ..وبقايا الطين النديّ يملأ شقوق راحتيها.. فتنفضه لتسلم علينا بكل ترحاب ..وتمد بهن حبّات الفل "اللحجي" النفّاث ..من حقلها المتمسكة به رغم التغيرات المناخية " والزمنية" ..


تحدثنا وهي ترمق شجيراتها الباقيات قائلة ..لقد ورثت هذا عن أجدادي لأطعم منه "بناتي" ، وأعمل فيه لوحدي متجاوزة كل مراحل الفلاحة إلى البيع والتسويق ..لا أكل ولا أمل ..فما أجمل "اللقمة الحلال" مهما كانت الصعاب ..آملة في الوقت ذاته تحسن الأحوال لصالح الجميع ..



3_ "حنان" تلك الشابة المكافحة إلى جانب زوجها لإعالة طفليها ..فبالرغم من تسرب حلمها في الإلتحاق بالجامعة نظرا لصعوبة "أحوال" ما بعد الحرب ..إلا أنها لم تستلم وقررت احتراف مهنة البيع والكسب "الطيّب" و إن كان شاقّا ..كونها خجولة ..



هؤلاء النسوة "المقاتلات" من محافظة لحج هن نماذج ملهمة عن طوابير من النساء المستقلات اللاتي يعملن في الميدان بجهودهن الذاتية، بدون أي مؤسسات مدنية داعمة ، أو تمويل "خيري" من هنا أو هناك ، وان كانت هناك مستفيدات غيرهن يحلصن على دعم .


و ما لفتني في حديثهن هو اتفاقهن جميعا في عدم إعطاء أي مبرر بعدم الدعم ..كي يتوقن أو يستسلمن ..حيث اكتفت أم محمد و نصرة بقول .."بايجي الخير إن شاء الله" ..وحنان لم تصرح سوى بـ " أمرهم لله" ..مشيرة إلى من يستثنوا بعض الأسر المستحقة للدعم من كشوفات الإستحقاق "المفترضة" ..


تأمل "أم محمد" في مركز كبير بخور عميرة للصيادات وللنساء العاملات في مهنة الصيد عموما ..من صيد و حياكة شباك وصيد الظفري وتجفيف الأسماك وتمليحها ..مركز للتدريب والتأهيل، ومعمل للإنتاج والتسويق بشكل مهني ومنظم أكثر ..


أما "نصرة" فلم تُخفِ قلقها من عودة السيول الجارفة مرة أخرى والتهام أرضها بما فيها كما باقي جيرانها المزارعين ..آملة في استحداث مصدات ضد السيول الجارفة، بالإضافة إلى دعمها بما يساعدها هي والعشر نساء المزارعات الباقيات على الصمود ..كونهن الأقرب إلى الأرض والأكثر رفقا بها .


أما "حنان" فتطمح إلى الحصول على "حقيبة" متكاملة من أدوات الطبخ لكي تعمل من داخل منزلها بكل حرية .. وتسوق منتجاتها المتنوعة .



هذه لحج ..الجميلة ..هذا الأساس الذي تستند عليه قدميها للوقوف شموخا في وجه تقلبات أحوال بلادنا السياسية والإقتصادية ..قد لا نراهن في ردهات قاعات التدريب ..أو خلف "ما يكات" التعبير ..لكنهن هناك يبادلون هذا الوطن الحب والإحترام والتقدير ..والأمل في غدٍ أفضل لهن ولأبنائهن ..مقدامات غير متراجعات .