تثير ورشة العمل التي عُقدت في العاصمة عدن بعنوان «آليات التسعير في الأسواق اليمنية والمعوقات الاقتصادية في ظل الإصلاحات النقدية» أسئلة كبرى حول قدرة المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني على تحويل التوصيات النظرية إلى برنامج عمل واقعي ينعكس على حياة المواطن. فقد خرجت الورشة بتوصيات مهمة، مثل اعتماد منظومة إلكترونية موحدة للتسعير وإنشاء هيئة مستقلة لحماية المستهلك وتعزيز الإنتاج المحلي وتشديد الرقابة على الأسواق، غير أن التجربة اليمنية في ملف الإصلاح تكشف أن الفجوة بين الورق والتطبيق غالباً ما تكون واسعة، ما يستدعي تفكيك المعوقات قبل الاحتفاء بالنتائج. وتبدو أولى العقبات في عدم انتظام البنية التشريعية والتنظيمية وضعف قدرة المؤسسات على فرض الرقابة ومحاسبة المخالفين، إذ يظل كثير من التجار قادرين على تجاوز الإجراءات بفعل نفوذ اقتصادي أو علاقات محلية، ما يعني أن أي نظام تسعير إلكتروني سيكون عديم الجدوى إن لم يترافق مع سلطة تنفيذية تتمتع بقوة ردع. كما تمثل تقلبات سعر الصرف تحدياً مركزياً يجعل الأسعار متحركة بشكل يومي، إذ لا يمكن الحديث عن تسعيرة ثابتة في اقتصاد غير مستقر تديره مجموعة معقدة من العوامل الداخلية والخارجية، من بينها ضعف الاحتياطات الأجنبية وغياب أدوات بنك مركزي متناغم مع السوق. ويبرز أيضاً عائق البنية الإدارية، فغياب كوادر مؤهلة لتشغيل المنظومة الإلكترونية ومتابعة سلسلة الإمداد قد يجعل المشروع تمثيلياً فقط، يُلتقط في الصور وينتهي مع انتهاء الورشة. أما على مستوى القطاع الخاص، فإن بعض القوى الاقتصادية قد لا ترى مصلحة مباشرة في فرض رقابة تمنع هامش المضاربة أو الاحتكار، ما قد يولد مقاومة غير معلنة لأي تشريع يحد من هوامش الربح الكبيرة، خصوصاً في أسواق تفتقر للشفافية. ويظل دور المجتمع المدني مشروطاً بقدرته على المراقبة والمتابعة وتوجيه الضغط الإعلامي، فغياب متابعة إعلامية ممنهجة قد يسمح بتبخر التوصيات بعد أسابيع، وهذا ما تكرر في مبادرات سابقة لم تُستثمر فيها الفرصة. وفي جانب آخر، يعد ضعف الإنتاج المحلي سبباً جوهرياً لاستمرار ارتفاع الأسعار، فأي سوق يعتمد بنسبة كبيرة على الاستيراد سيظل رهينة النقل والعملة والطاقة وسوق الشحن العالمي، ما يجعل تثبيت الأسعار تحدياً بنيوياً لا تنظيمياً فقط. ويرى مراقبون أن نجاح التوصيات مرهون بوجود جدول زمني معلَن وآليات قياس أداء واتخاذ قرارات علاجية عند التعثر، فضلاً عن ضرورة منح الهيئة المزمع إنشاؤها صلاحيات حقيقية لا شكلية. ويبقى السؤال المفتوح أمام الرأي العام: هل ستستثمر السلطات المحلية هذه اللحظة لتأكيد قدرتها على الانتقال من الشعارات إلى النتائج، أم سنعود قريباً إلى نقطة البداية مع عناوين جديدة؟ إن مستقبل هذه التوصيات سيعتمد على الإرادة السياسية والقدرة التنفيذية ووعي المجتمع ولغة الأرقام، لا لغة الخطابات. وحتى يُثبت الواقع خلاف ما اعتاده المواطن، فإن العين ستبقى على الأسواق، لا على البيانات ..
بقلم/ محمد علي رشيد النعماني ..