آخر تحديث :الأربعاء-25 مارس 2026-11:35م

سلام القوة

الثلاثاء - 04 نوفمبر 2025 - الساعة 03:37 م
د.علي العسلي

بقلم: د.علي العسلي
- ارشيف الكاتب


في الآونة الأخيرة، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحديث عن ما سماه "خطة السلام في الشرق الأوسط"، زاعمًا أن عددًا كبيرًا من الدول قد وقّع عليها، وأنها تمثل "سلامًا جديدًا" في المنطقة. لكنه سرعان ما أوضح في تصريحات أخرى، خلال زيارته لإحدى القواعد الأمريكية في اليابان، أن مفهومه للسلام يختلف تمامًا عما عرفته البشرية، فهو سلامٌ يُفرض بالقوة لا بالتفاهم، سلامٌ يستند إلى منطق الغلبة العسكرية لا إلى العدل ولا إلى الحقوق. وكأنه أراد أن يُذكّر العالم بما فعله الأمريكيون في هيروشيما وناغازاكي، حين جعلوا من الدمار وسيلة لفرض "السلام النووي"!


هذه المفارقة العجيبة تُظهر ازدواجية الموقف الأمريكي: ففي الوقت الذي تقرر أن يُجرّد فيه أصحاب الأرض من أبسط وسائل الدفاع عن النفس، يتدفّق السلاح الأمريكي بلا انقطاع نحو المحتلّ الصهيوني. فكيف يكون السلام سلامًا إذا كان مبنيًا على تكميم الأفواه، وتجريد المظلوم من قوته، وتسليح الظالم إلى أسنانه؟ إنه سلامٌ زائف ينهار عند أول امتحان للعدالة أو للكرامة الإنسانية.


أعود إلى ما أسماه ترامب بأن حماس وغزة "جزئية صغيرة" في سلام الشرق الأوسط، ضمن خطته لإنهاء الحروب. فالظاهر أنه أراد، هو ونتنياهو، تدمير هذه "الجزئية" ليُرهب كل من تسوّل له نفسه أن يرفع رأسه أو يطالب بحقه، وليجعل من غزة عبرةً لبقية شعوب المنطقة. يريدان أن يقولا للعالم: "من يعترض على مشروعنا فمصيره كغزة". بهذا المنطق يسعيان إلى فرض الاستسلام في سوريا ولبنان، وإلى إخضاع إيران دون حرب، عبر التخويف من "البعبع الصهيوني" الذي يبطش بمن يعارضه.


لكن الحقيقة الأبدية أن الاحتلال لا يدوم، وأن المستضعف لا يموت صامتًا. فالتاريخ يُخبرنا أن الشعوب المقهورة لا تموت، بل تنهض وتنتزع حريتها مهما طال الزمن. لم تُخلّد القوة دولة، ولم تُخلّد الغلبة حضارة. وبريطانيا العظمى، التي كانت "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس"، تقلّصت اليوم إلى جزيرة تبحث عن مكانها في العالم. تلك سنّة التاريخ: لا بقاء لظلم، ولا ديمومة لقوة تُبنى على القهر.


وسماويًا وأرضيًا، الحق هو الغالب، والحق يُنتزع ولا يُمنح. وهنا نستذكر ما قاله الزعيم الراحل جمال عبد الناصر: "ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغيرها."


وبالنسبة لنا في اليمن، فالحقيقة لا تحتمل التأويل: الحوثي استولى على الدولة بقوة السلاح، واغتصب مؤسساتها، ولا يمكن أن يتحقق السلام معه إلا بإقراره الصريح وردّه لما اغتصبه، سلمًا أو حربًا. قبل هذا الاعتراف لا معنى لأي تفاوض أو حوار، ولا جدوى من مراضاة أو مبادرات شكلية. فالتسويات السياسية لا تقوم على الباطل، ولا تُكافئ من انقلب على الدولة، بل تبدأ بإعادة الأمور إلى نصابها.


ومؤخرًا، في منتدى "حوار المنامة" الذي نظمه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في البحرين، خرج وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي ليطالب دول الخليج بالانخراط في تواصل مباشر مع إيران، العراق، واليمن، في إشارة واضحة إلى جماعة الحوثيين ووكلاء طهران في المنطقة، ضمن ما يُعرف بـ"محور المقاومة". وقد برّر ذلك بأن "إيران وأذرعها لا تزال قوية في المنطقة".


لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ما علاقة اليمن بإيران؟ وما علاقة قوة إيران بموقف دول الخليج التي يفترض أنها أيضًا قوية؟ أليس من الطبيعي أن تُحمى مصالح دول الخليج وأمنها بقدراتها الذاتية، لا أن تُستدرج لمعادلات إيرانية تُضعف موقفها وتشتّت جهدها؟


وكان الأجدر بوزير الخارجية العُماني أن يتعهد بوقف تهريب السلاح المتدفق للحوثيين عبر حدود بلاده، وأن يُصغي جيدًا لما ورد في آخر تقرير أممي لفريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي، الذي أكد استمرار تدفق الأسلحة والمعدات المتطورة، بما يشمل صواريخ وطائرات مسيّرة وأجهزة اتصالات حديثة، عبر منافذ عُمانية ومسارات بحرية غير مشروعة، وفي أحيان عديدة بتنسيق مع تنظيم القاعدة وحركة الشباب الصومالية.


إن مسؤولية وقف التهريب لا تقع على عُمان وحدها، بل تمتد لتشمل السلطات الشرعية اليمنية المشرفة على الموانئ، وخفر السواحل، والتحالف العربي والدولي المعني بمكافحة التهريب في أعالي البحار. وفي هذا السياق، نُثمن ما قامت به قوات طارق صالح من استيلاءٍ على كمياتٍ مهولةٍ من هذه المعدات والاسلحة كانت في طريقها للحوثيين.


وعلى الناقدين والمشككين أن يُثمّنوا هذه الجهود الوطنية بدلًا من الانشغال بالتشكيك في مشاريع البنية التحتية في المخا بوصفها محاولة لتفكيك البلد أو تقويضه. أيها المختلفون، خاصموا بشرف وأثنوا على ما يستحق الثناء، ولا سيما عندما يكون الثناء موجّهًا لمن يختلف معكم في الرأي.


فالسلم لا يتحقق بالشعارات، بل بالمسؤولية المشتركة والنية الصادقة في محاربة الإرهاب وتجفيف منابعه. إن ربط الملف اليمني بإيران يُعد خطأً استراتيجيًا، لأنه يُخرجه من سياقه الوطني والعربي ويُعطي الميليشيا ذريعةً للبقاء، ويحوّل الصراع من قضية "دولة مختطفة" إلى "ملف إقليمي" تُساوم عليه القوى الدولية.


سلام القوة ليس سلامًا حقيقيًا، لأن السلام لا يُبنى على الخوف، ولا يُفرض بالهيمنة، بل يُصنع بالعدل والكرامة والمساواة. ومن أراد سلامًا دائمًا، فليُؤمن أولًا أن الحق لا يموت، وأن الشعوب لا تُقهر إلى الأبد، وأن السلام القسري لا يولد إلا مقاومة أشد.


أما السلام الحقيقي، فهو الذي يقوم على العدل والمساواة واحترام كرامة الإنسان، وعلى الاعتراف المتبادل بحقوق الشعوب، لا على منطق التفوق العسكري. فسلام القوة هشّ وزائل، لأنه يتناقض مع الفطرة الإنسانية التي تنشد الأمن بالرضا لا بالإكراه، وبالعدالة لا بالهيمنة.


لقد أثبتت التجارب أن القوة قد تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع سلامًا دائمًا. فالسلام الحق يُبنى بالحكمة، وبإرادة سياسية واعية تدرك أن الأمن لا يتحقق إلا عندما يشعر الجميع بأنهم شركاء في صناعة المستقبل، لا رعايا تحت سلطة الغلبة.


ختامًا:


إن ما يُسمّى بـ"سلام القوة" ليس سوى قناع يُخفي سلام الهيمنة، يراد به شرعنة الظلم وتجميل القهر. أما السلام الحق، فهو سلام الإرادات الحرة، سلام العدل والكرامة، سلامٌ يُنهي الاحتلال ويعيد الحقوق إلى أصحابها، لا سلامٌ يُفرض على جراحٍ لم تلتئم بعد. فالسلام العادل لا يُفرض... بل يُصنع بالإرادة والحرية.