آخر تحديث :Tue-20 Jan 2026-07:20PM

الذين قالوا كفى: من بئر علي بدأت الحكاية..

السبت - 01 نوفمبر 2025 - الساعة 12:41 م
محمد علي رشيد النعماني

بقلم: محمد علي رشيد النعماني
- ارشيف الكاتب



"الكرامة لا تُمنح بل تُنتزع بالصبر والثبات." – المهاتما غاندي

"العدالة هي روح الدولة، فإذا ماتت مات الوطن." – أرسطو

"الثروة التي لا تُوزع بعدل تتحول إلى لعنة على أصحابها قبل المحرومين منها." – كوامي نكروما


من بئر علي إلى رضوم، ومن الروضة والعرم مروراً بحبان وميفعة، يتصاعد اليوم صوتٌ يطالب بالحق والإنصاف، صوتٌ يقول: كفى تهميشاً، كفى صمتاً. إنه حراك الكرامة السلمي الذي لم يولد من رغبةٍ في مناصب ولا من طموحٍ إلى مكاسب شخصية، بل من وجعٍ تراكم عبر عقود ومن إحساسٍ جمعي بالظلم والإقصاء لم يعد يُحتمل .

منذ إشهاره في أغسطس 2024، أثبت حراك الكرامة أن الكرامة ليست شعاراً يُرفع، بل مشروع وعيٍ يُبنى. لم يرفع السلاح، ولم يلوّح بالعنف، بل اختار طريق السلم، مؤمناً بأن العدالة لا تحتاج إلى بارود بل إلى إرادة وصدق. قيادته التي جمعت بين الحكمة والشجاعة مثّلت وجهاً جديداً للنضال الاجتماعي، لا بلغة الحزبية ولا المناطقية، بل بلغة المواطنة والإنصاف .

مناطق الواحدي تُنتج أكثر من 60٪ من ثروات شبوة، ومع ذلك تعيش بلا ماء ولا كهرباء ولا خدمات، كأنها خارج الجغرافيا السياسية للسلطة. فهل يُعقل أن تبقى هذه الأرض الغنية بالغاز والنفط والموانئ والسواحل الخلابة فقيرةً بالحقوق؟ وهل يُعقل أن تستمر السلطة المحلية في سياسة الإقصاء والترضيات الشخصية، وكأن الكرامة تُشترى بالولاء؟ لقد آن الأوان ليُقال بوضوح: إن التنمية التي لا تشمل الجميع ليست تنمية، بل شكل آخر من أشكال الفساد .

حين مدّ أبناء الواحدي أيديهم للحوار، جوبهوا بالتجاهل، وحين صمتوا انتظاراً للوعود، جاءهم الرد بالاستهانة. تتصرف السلطة المحلية "للأسف" وكأنها تدير إقطاعية خاصة لا محافظة، وإن رفضها للمطالب الجماعية واستعدادها لتلبية المطالب الشخصية يعكس جوهر الأزمة في شبوة: غياب الرؤية، واحتكار القرار، وإقصاء من لا ينتمي إلى دائرة الولاء الضيقة .

البيان الأخير لحراك الكرامة لم يكن مجرد رد فعل، بل إعلان مرحلة جديدة من الوعي والتنظيم. فالحراك لا يطالب بالمستحيل، بل بالحق الطبيعي في إدارة الموارد والرقابة على الثروة. وإذا أصرّت السلطة على تجاهله، فإن مطالبة أبناء مناطق الواحدي بإنشاء محافظة بلحاف لن تكون خطوة انفعالية، بل خياراً منطقياً لحماية ما تبقّى من العدالة المحلية.

ربما يخافون من الكرامة لأنها أيقظت الصمت وكشفت زيف الوعود، لأنهم اعتادوا شعوباً تُصفّق ولا تسأل، وتُطيع ولا تُفكر. لكن الكرامة حين تستيقظ لا تعود إلى نومها بسهولة. لقد أثبت الحراك أن الوعي حين يُزرع في أرضٍ مظلومة يُثمر ثورةً من نوعٍ مختلف؛ ثورة العقل والإصرار، لا الفوضى والانقسام.

إن ما يجري في مناطق الواحدي ليس حدثاً محلياً، بل جرس إنذار سياسي لكل من يظن أن الصمت سيبقى أبدياً. فعندما تُهمَّش المناطق المنتجة، وتُنهب الثروات باسم التنمية، ويُختزل الوطن في شخوص لا في حقوق، يصبح الحراك السلمي واجباً وطنياً لا خياراً احتجاجياً .

الكرامة ليست تمرّداً، بل وعي، والوعي لا يُقمع بالتهديد، ولا يُشترى بالمال. من مناطق الواحدي خرج صوتٌ جديد يقول للسلطة: لن نكون مهمَّشين في وطنٍ ساهمنا في بنائه. وهذه ليست دعوة انفصال، بل دعوة إنصاف فإما أن تُستعاد الحقوق، أو أن يصنع الناس واقعهم بأيديهم ..


بقلم / محمد علي رشيد النعماني ..