آخر تحديث :الأربعاء-25 مارس 2026-11:27م

الدكتور محمد الظاهري… حين يترجّل النقاء عن صهوة الحياة

السبت - 18 أكتوبر 2025 - الساعة 12:00 م
د.علي العسلي

بقلم: د.علي العسلي
- ارشيف الكاتب


مرثية سياسية وإنسانية في رحيل عالمٍ نادرٍ من أعلام اليمن



د. علي العسلي



رحيل بحجم الفاجعة


في صباحٍ حزين، ترجّل أحد قمم الفكر والسياسة في اليمن.

غادرنا الدكتور محمد محسن الظاهري، أستاذ العلوم السياسية في جامعة صنعاء، ورئيس نقابة أعضاء هيئة التدريس ومساعديهم فيها، بعد صراعٍ طويلٍ مع مرض السرطان، صراعٍ خاضه بصبر الصالحين وثبات المؤمنين.


لم يكن المرض أقوى منه، فقد ظلّ يقاومه كما قاوم الظلم والفساد، محتفظًا بابتسامته وإيمانه بأن الحياة تستحق أن تُعاش بكرامة، حتى في أقسى لحظاتها.

رحل بعيدًا عن صنعاء التي أحبّها حبًّا عميقًا، في مكان علاجه بمدينة إسطنبول، لكنه ترك فيها من نوره ما يبدّد العتمة.


لقد كان يردد كلمته المشهورة:

«باقون في صنعاء وإن عظم الخطر»،

كلما اشتد الوضع الأمني على أعضاء الهيئة الإدارية للنقابة أو تصاعدت التهديدات نتيجة تمسكهم بحقوق أعضاء النقابة.


لم يكن يتصور لوهلةٍ أن ظروفه المرضية ستجبره على مغادرة صنعاء، ليس إلى إسطنبول فحسب، بل إلى بارئه الأعلى من خارجها.


العالِم والموقف.. لا برج عاجي ولا حياد بارد


لم يكن الدكتور الظاهري باحثًا يعيش في عزلةٍ أكاديمية؛ بل كان في قلب المجتمع، يكتب بضمير المناضل، ويُدرّس بعقل المصلح.

اختطّ مسارًا فكريًا صعبًا، تناول فيه قضايا الوطن الكبرى: الدولة والمواطنة، القبيلة والمجتمع المدني، الديمقراطية والاستبداد، الثورة والتغيير.


كان يرى في الفكر وسيلةً للتحرر، وفي العلم طريقًا للخلاص الجمعي، ولذلك ظلّ على الدوام صدىً لصوت الشعب، ونموذجًا للنخب الملتزمة، وصوتًا للحقيقة في زمنٍ ضجّ بالأصوات الزائفة.


النقابي النزيه.. صوت العدالة في بيت الجامعة


عرفتُه زميلًا ورئيسًا في نقابة جامعة صنعاء، تزاملت معه وتحت رئاسته كمسؤولٍ أكاديمي في النقابة.

رأيته كيف كان يتعامل مع المكافآت والأنشطة النقابية بتجرّدٍ نادر، يوقّع لزملائه ويمتنع عن إدراج اسمه رغم حاجته المادية.

كان يقول في تواضعٍ خجول:

«دعوا المكافآت للزملاء، أنا بخير.»


ذلك هو الظاهري: رجل المبدأ والنزاهة، لا تغريه المناصب، ولا تستهويه الامتيازات.

كان النقابيّ الصلب الذي جعل من النقابة بيتًا للجامعة، لا بوابةً للمنفعة أو المكاسب.


المناضل الذي حلم بوطنٍ يتسع للجميع


كان الدكتور الظاهري أحد الأصوات الوطنية الحرة، لم يساوم على قناعاته، ولم يبع موقفه بثمنٍ أو امتياز.

اعتُقل لمدةٍ من الزمن من قبل الحوثيين لإصراره وتضامنه مع زملائه الذين اختُطفوا من الجامعة.


ناضل بالكلمة والموقف، ووقف بثباتٍ مع زملائه في رفض التعيين الحوثي لرئيس جامعة بقوة السلاح في الوقت الذي كان الآخرون مستسلمون للأمر الواقع.

واصطُدمنا معًا بمواقف صعبة، وتعرض للتهديد واستخدام السلاح من قبل دكتور في كلية الآداب اثناء خروجنا ذات مرّة من فعالية واعترضه ذلك الدكتور وتعارك معه وقام بإخراج مسدسه، غير أن الله نجّاه حين كنتُ قريبًا منه فأمسكتُ يد من حاول تصويب المسدس نحوه.


كان مناضلًا حقيقيًا من أجل وطنٍ تسوده العدالة، ويُكرَّم فيه الإنسان بمعزلٍ عن انتمائه أو موقعه.

وظلّ مؤمنًا بيمنٍ ديمقراطي حديث، تتحقق فيه المواطنة المتساوية والحرية المسؤولة، وكان حلمه ذاك رفيق عمره حتى آخر لحظةٍ من حياته.


رحيل الجسد وبقاء الأثر


برحيله، خسرت اليمن أحد رموزها الفكرية والنقابية، وخسرت الجامعة ضميرها الحيّ، وخسر طلابه معلمًا ومُلهمًا لا يُعوّض.

إلا أن العزاء في أن الفقيد ترك إرثًا علميًا وفكريًا ثريًا، سيبقى منارةً للأجيال القادمة، ودليلًا على أن الفكر النزيه لا يموت.


كلمة وداع


رحم الله الدكتور محمد محسن الظاهري، وأسكنه فسيح جناته، وجعل علمه وسيرته شفيعين له يوم اللقاء.

عزاؤنا العميق لابنه خالد، ولإخوانه، ولزملائنا في الهيئة الإدارية لنقابة اعصاء هيئة التدريس ومساعديهم في جامعة صنعاء، ولكل الأكاديميين والطلاب الذين أحبّوه واحتفوا بفكره.


رحمك الله يا أبا خالد…

لقد رحلتَ، لكنك بقيتَ فينا فكرةً، وضميرًا، ورمزًا للنزاهة والوطنية والإنسان.


إنا لله وإنا إليه راجعون.