آخر تحديث :الإثنين-16 فبراير 2026-01:46ص

الاقتصاد رمزاً للكرامة والحرية لا الشعارات.

الجمعة - 17 أكتوبر 2025 - الساعة 11:34 م
هشام السامعي

بقلم: هشام السامعي
- ارشيف الكاتب



زمان في بداية تشكل وعينا الثقافي والسياسي، كانت الشعارات البراقة هي المخدر الذي تبيعه لنا النخب السياسية وقيادات الأحزاب من اقصى اليمين الى أقصى اليسار، شعارات النضال والقومية العربية والخلافة الإسلامية وردع قوى الهيمنة والتكبر.

كنا مشدودين لأي شعار يمكنه تخديرنا وإن مؤقتاً حتى لا نصحو لندرك حجم الهزيمة التي نعيشها كشعوب لا تمتلك قياداتها رؤية اقتصادية تنموية تقود عجلة النمو والتقدم، وبدلاً من البحث عن رؤية اقتصادية سعت هذه القيادات إلى محاربة وتشويه أي رؤية اقتصادية يحملها قطر من الأقطار الشقيقة، وصحونا بعد نكبة الربيع العربي على واقع مختل، قوى انتهازية جديدة ظفرت بالسلطة وحملت معها مجموعة من المستفيدين المستعدين للمحاربة بالنيابة عنها لحماية مصالحهم التي منحتها لهم قياداتهم.

والحقيقة أننا كنا مخدرين تماماً حتى نرى الواقع متجردين من الشعارات الرنانة التي أحللناها مكان العقل، وبدلاً من مساندة العقل ذهبنا إلى تغليب العاطفة، وكانت النتيجة خسارات متوالية.

كانت السعودية رمزاً للرجعية كما وصفتها لنا شعارات اليسار والقوميين، ومنبع للتطرف كما صدرتها القوى الناعمة للهاشمية السياسية، ودولة رخوة كما وصفتها شعبويات الإخوان المسلمين، ومثلها تم توصيف كل نظام حكم معتدل وعقلاني يفكر جيداً بمصلحة مواطنيه أولاً.

لم تكن السعودية وحدها التي تم شيطنة نظامها وسياساتها من قبل النخب السياسية والمذهبية في كثير من الأقطار العربية ومن ضمنها اليمن، بل كان يتم شيطنة كل صوت عقلاني متخفف من سطوة الشعارات وهمينتها، ويعيد للعقل والمنطق مكانته الطبيعية في تقدير الأمور وتسمية المواقف بمسمياتها.

أكتب هذا المنشور بعد توقيع اتفاق وقف الحرب في غزة، وكيف أن القوى المؤمنة بالشعارات الجوفاء لازالت تحاول تصدير نفسها من جديد في مواجهة مفتوحة مع القوى المؤثرة في القرار العربي والتي فرضت حل وقف الحرب بطرق دبلوماسية سياسية اقتصادية هيمنت بها على صانعي قرار الحرب والمستفيدين من اقتصاد الحرب، وأقنعت القوى الدولية بضرورة تحقيق سلام دائم في المنطقة وبما يخدم اقتصادات الدول الصاعدة في المنطقة ( السعودية_ الإمارات_ مصر_ قطر)

هل يعني هذا اعتراف بأننا أخطأنا التقدير طوال سنوات مضت؟ نعم هو اعتراف بأن الشعارات لا تبني أوطان ولا تحمي الإنسان، وأن البرامج الاقتصادية هي القوة الأبرز لتصدير خطاب سياسي يراعي مصالح الناس قبل الحكام، وبأن الدولة المستقرة لعقود في ظل قيادة ملكية هي أكثر نجاحاً من شعارات الديمقراطية والحرية في محيط جغرافي يحتاج إلى عقود من التعليم والتعلم ليدرك واجباته وحقوقه.

نجحت السعودية والإمارات في بناء تجربة اقتصادية ملهمة، حققت لشعوبها مستوى عالي من الأمان والرفاهية، وأصبح حامل الجواز الإماراتي والسعودي يشعر بالحرية في تحركاته على ظهر كوكب الأرض أكثر من كل جوازات الدول التي صدرت الشعارات الجوفاء لتحكم سيطرتها على عقول شعوبها، وبدأت دول أخرى تسعى في ذات الطريق نحو بناء تجارب اقتصادية لشعوبها معتمدة على شعار الإبداع والإبتكار أولاً.

أتذكر كل تلك المرويات الشعبوية التي كانت تحكى في الأوساط الشعبية عن دول الخليج وكيف يتم تصدير صورة الخليجي ككائن بوهيمي متخلف رجعي متكبر، وشيطنة كل تجربة عقلانية، وصنع عداوات غوغائية لا علاقة لها بالواقع ولا تمت للمستقبل بصلة.

الواقع الآن يعكس حقيقة واضحة مفادها أن كل قيادي أو حاكم أو رئيس يحاول تصدير شعارات الحرية والكرامة وهو لا يملك برنامجاً اقتصادياً بالأرقام هو ليس سوى لص يطمح إلى سرقة حقوق الناس.

توقفت الحرب في سوريا وتقدمت دول الخليج بدعم برامج تنموية بالمليارات، وساندت التحول الاقتصادي في سوريا ووفرت الدعم لحشد تمويلات تنموية بعشرات المليارات، ومؤخراً توقفت الحرب في غزة وبدأت برامج التعافي وإعادة الإعمار تحشد تمويلاتها لمساندة الناس في غزة وفلسطين، وفي مقابل ذلك يعاد تصدير خطاب غوغائي لاستمرار الحرب وإيهام الناس بانتصارات كاذبة كما كان يفعل حسن نصر الله وقيادات حماس سابقاً.


هشام السامعي.