---------------------------------
بقلم: أ. سميه احمالقارمي
في عالمٍ تتنازعه التحالفات، وتُشترى فيه المواقف بالمصالح، خرجت غزة من تحت الركام لا لتنادي بالنجدة، بل لتعلن أنها لا تزال واقفة. خرجت أكثر صلابة، وأكثر فتكًا على المستوى الأخلاقي، بعد أن عرّت النظام العالمي بأسره، وكشفت زيف الخطابات وازدواجية المعايير.
على مدار الشهور الماضية، حاولت غزة أن تصدّ عدوانًا هو الأشرس في تاريخها، مستخدمة أدوات محدودة مقابل آلة عسكرية ضخمة مدعومة سياسيًا من قِبل دول كبرى. لكن النصر لا يُقاس دائمًا بعدد الصواريخ أو حجم الدمار، بل بثبات الموقف، وبتغيير قواعد اللعبة. وغزة، في هذا السياق، انتصرت.
وفي موازاة ذلك، لاحت مفاجآت في المشهد الإقليمي. فبينما التزمت بعض العواصم العربية الصمت أو المواقف الرمادية، جاءت بعض المواقف من حيث لا يتوقعها أحد. الحوثيون في اليمن، مثلاً، خرجوا من ساحة الصراع المحلي إلى فضاء القضية الفلسطينية، واضعين أوراقهم على طاولة إقليمية ودولية مشتعلة.
الهجمات البحرية على السفن المرتبطة بإسرائيل، والتهديد المستمر بإغلاق الممرات الحيوية، لم تكن مجرد رسائل صاروخية، بل كانت إعلانًا صريحًا بأن فلسطين ليست وحدها. وهذا الموقف، بغض النظر عن موقعه ضمن الحسابات الدولية، حمل جرأة سياسية وشعبية لا يمكن إنكارها.
الحوثيون كسبوا الرهان. ليس لأنهم قلبوا موازين القوى، بل لأنهم اقتنصوا لحظة تاريخية عزّ فيها الموقف الجريء، وحققوا اختراقًا في الوعي العربي، كطرف غير محسوب تقليديًا ضمن جبهة الصراع الفلسطيني. لقد قدّموا أنفسهم كفاعل إقليمي لا يمكن تجاهله، وأعادوا تموضعهم في الوجدان الشعبي العربي، حتى ولو مؤقتًا.
في المقابل، كشفت هذه المرحلة عن هشاشة المواقف الرسمية، وتردّد الدول التي كان يُفترض أن تكون في مقدمة الصفوف. بل إن التبرع لغزة، في بعض الأماكن، أصبح فعلًا محفوفًا بالريبة، ومقرونًا بإجراءات رقابية خانقة، وكأن إيصال رغيف الخبز أو عبوة دواء بات يُصنّف خطرًا على "الأمن القومي".
ما بين غزة التي لم تستسلم، واليمن التي رفعت الصوت، تكشّف مشهد جديد في الشرق الأوسط. تحوّل المظلومية إلى قوّة، والصمت الرسمي إلى عار، والتخاذل إلى خيانة صريحة أو مضمرة.
ويبقى السؤال:
هل نشهد ولادة محور جديد، لا يُبنى على التحالفات التقليدية، بل على موقف صادق تجاه القضايا المركزية؟
وهل يعيد هذا التحوّل تعريف "الشرعية" في الوعي الشعبي؟ وهل تسقط الأقنعة تباعًا؟
ما نعرفه اليوم هو أن معادلة ما قبل غزة قد انتهت، ومعادلة ما بعدها بدأت تتشكّل، بأدوات وأطراف مختلفة.
وغدًا، حين يُكتب التاريخ، لن يُسأل: من التزم الصمت؟ بل سيُقال: من انتصر… ومن كسب الرهان.