بقلم: أحمد الدثني
هل نلوم المعلم لأنه يقف أمام السبورة في الوقت الذي يقف أولاده على أبواب الجوع؟
هل نعاتبه لأنه يواظب على الحضور إلى المدرسة بينما راتبه غائب منذ أشهر وربما سنوات؟
أي منطق هذا الذي يجعل من المظلوم مذنبًا، ومن المنهوب مُقصِّرًا، ومن الصابر مُدانًا؟
في عيد المعلم، تتكاثر الخطب، وتُرفع الشعارات، وتُتلى الكلمات المنمقة عن “رسالة التعليم” و“قداسة المهنة”، وكأن الكلمة يمكن أن تُشبع جائعًا أو تُكسو طفلًا. ولكن في واقع الحال، المعلم اليمني لم يعد يحتفل إلا بصمته. صمته الذي يقول: لقد ضاقت الأرض بما رحبت.
لا عار على المعلم إذا ما انكسر، ولكن العار كل العار على من كسره.
لا ذنب على من اضطر إلى ترك الطباشير وحمل البندقية، ولكن الجناية على من دفعه إلى هذا الخيار القاسي بين التعليم والموت البطيء.
لقد أصبحت الكتاتيب صامتة والمدارس خاوية، لأن من يفترض أن يكون حارس الفكر، أصبح يبحث عن لقمة الخبز.
قبل أيام، وقف أمير دولة الإمارات يتحدث مع معلمي بلاده باحترام، يشكرهم، ويعدهم، ويحتفي بدورهم. في المقابل، في بلادنا التي أُغرقت بالتحالف والشعارات والوصاية، يُهان المعلم، ويُهمَّش التعليم، وتُبنى الجيوش بدلًا من المدارس.
هناك في الخليج تُكرَّم العقول، وهنا تُكمَّم الأفواه.
هناك تُصان الكرامة، وهنا تُباع الكرامة في سوق الولاءات.
يا سادة، ليست لعنة الدهر التي أصابتنا، بل ذنوبنا وصمتنا، واستسلامنا لمن نصَّبوا أنفسهم قادةً على هذا البلد من السعودية والإمارات، فعبثوا بأحلامه، وأفسدوا كل ما تبقى من قيمه.
نعم، اللعنة جازت على الثمانية — على من باعوا الوطن، وسكتوا عن إذلال المعلم، وسمحوا بتجريف الوعي، ليُستبدل المنهج بالبندقية، والقلم بالرصاصة.
في عيد المعلم، لا نريد خطبًا ولا ورودًا بلاستيكية.
نريد أن يُعاد للمعلم كرامته، وأن يُعاد للتعليم مكانته.
فبغير المعلم، لن تقوم دولة، ولن تنهض أمة، ولن يُرجع للوطن عقلٌ ولا وجدان.
فلنرفع صوتنا عاليًا:
كفى تجويعًا للمعلم.
كفى تهميشًا للعقل.
كفى عبثًا بالإنسان اليمني.
فإن كان لنا من ذنبٍ، فليكن ذنبنا أننا صمتنا طويلًا.
أما إن كانت لعنة، فليصبها الله على من جاع في بطونهم الوطن، ونهبوا من أفواه أبنائه الخبز والعلم معًا.