آخر تحديث :الأربعاء-03 يونيو 2026-09:06م

إلى من ينحتُ في الصخرِ.. ويُضيءُ من روحهِ قناديل الأمل

الإثنين - 06 أكتوبر 2025 - الساعة 11:46 ص
علي حسن الخريشي


في الخامس من أكتوبر من كل عام، يقف العالم بأسره وقفة إجلالٍ واحترام، لا لملكٍ متوّج أو قائدٍ عسكري، بل لمن هو أعظم من ذلك شأناً وأبقى أثراً. يقفُ العالمُ اليوم للمعلم، لذلك الإنسان الذي يحملُ على عاتقه أقدس رسالة عرفتها البشرية منذ الأزل: رسالة النور والعلم.

المعلمُ.. تلك الكلمة التي لا تتسع لها القواميس، ولا توفيها مجلدات الشكر حقها. هو المهندس الذي يرسم ملامح المستقبل في عقول الأجيال، وهو الطبيب الذي يشخّص داء الجهل فيستأصله بسلاح المعرفة. هو النهر المتدفق الذي يروي رياض العقول، والفارس الذي يمتطي صهوة الطباشير ليحارب جيوش الظلام. الأمم لا تُبنى بالقلاع والحصون، بل بعقول أبنائها، وتلك العقول هي أمانةٌ في عنق المعلم، يصقلها ويهذبها ويزرع فيها بذور المجد. لو فتّشتَ في سيرة كل عظيمٍ وغيّرتَ مجرى التاريخ، لوجدتَ خلفه معلماً ألهمه الحرف الأول، ومنحه مفتاح الطريق.

هذا هو المعلم في صورته المثالية، وهذا هو مقامه الذي يستحقه. ولكن... مهلاً! تعالَ معي لنغادر فضاء الكلمات الرنانة وننزل إلى أرض الواقع، إلى وطننا الذي يئن تحت وطأة الألم. تعالَ لنرى صورة المعلم اليوم في بلادنا.

هنا، في هذا الجزء من العالم، يأتي عيد المعلم حاملاً معه غصةً مريرة وألماً يعتصر القلوب. معلمنا الذي نُطالبه ببناء أجيالٍ قوية، يعيش هو نفسه تحت سقف الهشاشة والحاجة. ذلك الذي يهبُ النور لتلاميذه، قد لا يجد في بيته شمعةً يضيئها لأطفاله. يقف في فصله شامخاً كجبلٍ راسخ، يشرح قوانين الفيزياء ويروي قصص التاريخ، بينما تدور في رأسه معادلات أخرى أكثر تعقيداً: كيف سأطعم صغاري هذا المساء؟ وكيف سأوفر إيجار البيت وراتبي منقطعٌ منذ شهورٍ وشهور؟

إنه المشهد الأكثر قسوةً وسريالية. أن ترى باني العقول وهو يُهدم ببطء بفأس الفقر. أن ترى صانع الأمل وهو يكاد يفقده في معركة البقاء اليومية. لقد تحول دفتر تحضيره إلى سجل ديون، وتحولت فرحة العطاء في عينيه إلى نظرة انكسارٍ صامتة يخفيها خلف ابتسامةٍ باهتة يلقيها على وجوه طلابه الأبرياء.

ورغم كل هذا الجرح النازف، تحدث المعجزة! فذلك المعلم المكلوم، الذي خذلته السياسة وصراعات الكبار، لم يخذل رسالته أبداً. لا يزال ينهض كل صباح، ينفض عن ثيابه غبار العوز، ويذهب إلى مدرسته، لا بقدميه، بل بقلبه وروحه. لا يزال يمسك بالطبشورة بيده المرتجفة من شظف العيش، ليكتب درساً جديداً عن الكرامة، والصمود، والإيثار.

إنه لا يعلّم الكيمياء والرياضيات فحسب، بل يلقّن أطفالنا أعظم درسٍ في الإنسانية: درس العطاء في زمن الحرمان، ودرس التضحية حينما يغيب كل جزاء. إنه يمارس عمله بإخلاصٍ لا لأنه ينتظر راتباً، فالراتب قد غاب، بل لأنه يؤمن أن انهياره يعني انهيار جيلٍ بأكمله، ويعرف يقيناً أنه آخر حصنٍ يقف في وجه الجهل.

فيا أيها المعلم الصابر.. يا من تنحتُ في الصخر لتصنع لنا مستقبلاً، ويا من تُشعل من زيت روحك قناديل الأمل في دروبنا المعتمة.. أي كلمات شكرٍ تفيك حقك؟ وأي اعتذارٍ يليق بحجم التقصير في جانبك؟

في عيدك هذا، لا نملك سوى أن ننحني خجلاً وإجلالاً أمام عظمتك. أنت لست مجرد معلم، بل أنت وطنٌ يمشي على قدمين، وضميرٌ حيٌ لأمةٍ تكاد تفقد ضميرها. عيدك هو عيد بقائنا، وصمودك هو ضمانة مستقبلنا. فلك منا السلام، والدعاء، والعهد بأننا لن ننسى أبداً أنك كنت الشمعة التي احترقت لتضيء لنا الطريق.