آخر تحديث :الأحد-31 أغسطس 2025-11:50ص

العدالة الانتقالية والواقع اليمني .. وأهميتها في السلام المستدام وبناء الدولة الحديثة..

الجمعة - 29 أغسطس 2025 - الساعة 10:02 ص
محمد قاسم نعمان

بقلم: محمد قاسم نعمان
- ارشيف الكاتب


(في اليوم اليمني للعدالة الانتقالية 1 سبتمبر 2025)


العدالة الانتقالية والواقع اليمني .. وأهميتها في السلام المستدام وبناء الدولة الحديثة..


بقلم: محمد قاسم نعمان


الخوض في العدالة الانتقالية في اليمن يشوبها الكثير من التعقيدات المرتبطة بتعقيدات الواقع اليمني وطبيعة مكوناته الاجتماعية والسياسية، والصراع الذي عاشه اليمنيون في مختلف مراحل التاريخ اليمني والذي أفرز هذا الواقع، ولعل غياب تحقيق العدالة الانتقالية ذات الأبعاد الإنسانية المرتبطة بجبر الضرر وكشف الحقيقة وضمان العدالة والمصالحات الوطنية الحقيقية المرتبطة بذلك بالترافق مع مختلف حلقات المشكلات الاجتماعية والأزمات والصراعات المسلحة، والتي خلقت تراكمًا معقدًا لمسار التطور المتعلق ببناء الدولة اليمنية شمالًا وجنوبًا - ما بعد 1963 المرتبط بثورتي 26 سبتمبر 62 في الشمال و14 أكتوبر 63 في الجنوب -.


وكانت البداية الجادة للوقوف أمام أهمية معالجة مشكلات وآثار حروب وصراعات وأزمات اليمنيين، وبالذات ما بعد 26 سبتمبر في الشمال و14 أكتوبر في الجنوب، مع انعقاد مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي انعقد في صنعاء 2013، 2014 تحت إشراف الأمم المتحدة ومشاركة الكثير من الخبراء العرب والدوليين.


وبالفعل أفرز ذلك جدلًا ونقاشات واسعة داخل المؤتمر وخارجه حول أهمية العدالة الانتقالية لتصويب الأوضاع في اليمن نحو تحقيق الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة المستوعبة لحل مشكلات حلقات هذه الدولة، وخاصة القضية الجنوبية بعد فشل دولة الوحدة المركزية، إضافة إلى مشكلات قضية (صعدة) التي فرضت نفسها بحكم طبيعة الحروب السبعة التي شهدتها، ثم قضية (تهامة) المشكلة التاريخية، ومشكلات المناطق الوسطى في اليمن الشمالي والتي حددها مؤتمر الحوار الوطني إثر تقسيم اليمن إلى أقاليم اتحادية.


إذًا نحن أمام قضية مهمة تتعلق بمسار السلام العادل والمستدام الذي نريد تحقيقه لليمن شماله وجنوبه وشرقه وغربه، المستوعب خصوصية كل منطقة وحق مواطنيها في تقرير مصيرهم ديمقراطيًا. والوصول إلى ذلك لابد أن يتم المرور أمام عدد من المحطات المهمة والشروط الرئيسية التي تقع في مقدمتها تحقيق العدالة الانتقالية، والتي تشكل منطلقات مهمة ومتطلبات حقيقية لتحقيق السلام العادل المستدام في اليمن.


والسير في خطى العدالة الانتقالية في اليمن - من وجهة نظري - يجب أن يمر بالحلقات والخطوات التالية:


أولًا: التوعية العامة والواسعة والمناصرة داخل المجتمع حول ما تمثله العدالة الانتقالية من معانٍ حقوقية وإنسانية في مسار تحقيق السلام العادل والمستدام في اليمن بكل مكوناته وحلقاته ومناطقه. ويمكن أن يتضمن برنامج التوعية والمناصرة اللقاءات والحوارات والمناقشات مع مختلف مكونات المجتمع (المدارس الثانوية، والكليات الجامعية، والأدباء، والكتاب، والصحفيين، والإعلاميين، ومنظمات المجتمع المدني، والمحامين، والقضاة، والنيابة، والنقابات العمالية والمهنية، ومع النساء، ومع الشباب، ومع الموظفين والمسؤولين الحكوميين والسلطات المحلية). وفي المناطق الريفية مع المشايخ وعقال القرى. على أن يتم تنفيذ هذا البرنامج منظمات المجتمع المدني بالشراكة مع الصحفيين والأكاديميين والمحامين والقضاة وممثلي السلطات المحلية والحكومية والرئاسية. مع أهمية أن يشمل هذا البرنامج التوعوي والتثقيفي والمناصرة استخدام كل آليات العمل الصحفي والإعلامي والثقافي (الفنون الثقافية/ المسرحيات/ الغناء/ القصة/ الشعر/ وغيرها من فنون الصحافة والإعلام والثقافة).


مع التأكيد على محورية ما مثلته الحروب والصراعات والأزمات التي شهدتها اليمن (شمالًا وجنوبًا) من انتهاكات مست بشكل مباشر حقوق المرأة الحياتية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يجب التأكيد عليه واستيعابه في مسار تحديد ومعالجة وتنفيذ العدالة الانتقالية.


بعد إنجاز وتحقيق هذه المهمات والأنشطة والبرامج والفعاليات، تبرز أهمية إعداد مشروع قانون خاص بالعدالة الانتقالية يستوعب نتائج وملاحظات ومخرجات برنامج وأنشطة التوعية والمناصرة والحوارات المجتمعية الواسعة التي تم تنفيذها، ويستوعب التجارب العربية والعالمية في تطبيق العدالة الانتقالية - مع التأكيد على أهمية استيعاب خصوصية الواقع اليمني وتعقيداته الاجتماعية والسياسية والثقافية - بما يضمن الوصول إلى قانون للعدالة الانتقالية في اليمن قابل للتنفيذ دون آثار ومخاطر اجتماعية تمس بالاستقرار الاجتماعي والأمني والحياتي للمجتمع ومكوناته، بحيث يركز على تحقيق جبر الضرر المادي والمعنوي لمن انتُهكت حقوقهم وكشف حقيقة كل صور الانتهاكات التي مرت بها اليمن للفترة الزمنية التي سيتم تحديدها لمسار استيعاب وتطبيق العدالة الانتقالية، وكذا تحقيق الإصلاح السياسي المستوعب لمتطلبات بناء الدولة الحديثة المستقرة والتنمية المستدامة وتطور المجتمع ما بعد تنفيذ قانون العدالة الانتقالية. على أن يتم كل ذلك بعيدًا عن أي ممارسات تبرز فيها تصفيات الحسابات السياسية والاجتماعية، وعلى أن يتم عرض مشروع القانون بعد إتمام صياغته وقبل إقراره من مجلس النواب للاطلاع على الرأي العام حوله واستيعاب أية ملاحظات حوله.


ولابد من مراعاة، ونحن نبحث في العدالة الانتقالية في اليمن، التالي:

أولًا: أن مناطق اليمن ليست موحدة في مكوناتها الاجتماعية، وهذا ما يجب استيعابه؛ فما يمكن العمل به وتحقيقه في منطقة قد لا يمكن العمل به وتحقيقه في منطقة أخرى. وهذا يستدعي مراعاة مسار عملية التطبيق والتنفيذ للعدالة الانتقالية.

ثانيًا: طبيعة الانتهاكات والصراعات التي عاشتها اليمن هي الأخرى لا يمكن التعامل معها بشكل موحد؛ فهناك مناطق شهدت نسبة عالية من الانتهاكات، وهناك مناطق أقل، وهناك مناطق يمكن أن تكون تأثرت ولكن بشكل محدود. كما أن التعامل في تطبيق العدالة الانتقالية سيختلف من منطقة إلى أخرى بحكم طبيعة المكون الاجتماعي لهذه المنطقة أو تلك، فالمنطقة التي تخضع لسيطرة المشايخ والأعيان بشكل واسع أو أقل غير المناطق التي تخضع للقانون وتحترم الالتزام بالقانون.


كما يجب التأكيد هنا أنه لضمان تنفيذ العدالة الانتقالية في اليمن، تبرز أهمية الإشراف الدولي للأمم المتحدة ممثلًا بالأمين العام للأمم المتحدة.