في واقعنا اليمني، أصبحنا نعيش في مجتمع غريب في موازينه، متناقض في قيمه، يرفع من لا يستحق ويُقصي من يحمل الطموح والأمل. مجتمع لا يمنح الفرصة لمن يسعى إلى البناء والإصلاح، بل يسلط سهام الحقد والحسد على كل ناجح يطمح أن يقدم للوطن بصمة، ولو بالكلمة أو بالعلم.
لقد اعتدنا أن تُترك قضايا البلد الأساسية بلا اهتمام، تلك القضايا التي عليها يتوقف مستقبلنا جميعًا، بينما تُبنى الأبراج الوهمية على أكتاف المزيفين وأصحاب المصالح الضيقة. يرفعون الخائن ويمنحون له المكانة، بينما من ضحى بروحه من أجل الأرض، ومن حمل الجرح في جسده، يُترك في دائرة النسيان.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تحولت ساحة الحوار إلى منصة لتلميع الفارغين عديمي المضمون، الذين يُرفعون لأعلى المراتب لمجرد أنهم يجيدون استعراض ما لا يستحق، في حين يتم سحق الطامحين الحقيقيين بالكلمات القاسية والاتهامات الملفقة. وكأنما المجتمع قرر أن يتغذى على الغيبة والنفاق بدلًا من أن يعمل على إصلاح واقعه المتهالك.
اليوم، نرى بلدًا ضاع بين الفئات والجماعات، بين نزاعات لا تنتهي وخلافات لا يربح فيها أحد. الخدمات متهالكة، الأرض منهكة، والأحلام التي كبرنا عليها بأن يكون لنا وطن نفاخر به تتلاشى شيئًا فشيئًا. كنا نظن أننا سنبني وطنًا نكبر معه، ولكننا وجدنا أنفسنا في واقع لا يترك للناجح مجالًا، بل يُكسر على الدوام حتى لا يعلو صوته فوق أصوات الباطل.
إن بناء الأوطان لا يكون بالتطبيل للفاشلين ولا بغرس الكراهية وتحطيم الطموحات، بل بالوعي، بالصدق، وبمنح الفرصة لمن يريد أن يعمل بجد، بعيدًا عن المحسوبية والنفاق. والسبيل الوحيد للخروج من هذا النفق هو أن ندرك أن الوطن بحاجة إلى من يبنونه بالفعل لا من يتاجرون به، وأن الطريق إلى النهضة لا يمر عبر السراب بل عبر الصدق والإرادة الجماعية.