منَّ الله علينا خلال الأيام الماضية بالأمطار التي عمّت معظم مناطق البلاد، ولله الحمد والمنة. وكغيري من الناس تابعت السيول، أو بالأصح الفيضانات، وهي تشق طريقها حتى وصلت إلى مدينة عدن ومنها إلى البحر.
ويُقال دائمًا: السيل يعرف طريقه ولا يخطئه، فمهما وُضعت أمامه الحواجز الإسفلتية أو شُيِّدت المزارع والمنازل، فإنه عند الفيضان يعود إلى مجراه الطبيعي بلا تردد. وهذا ما شاهدناه يوم أمس حين اجتاحت السيول المنطقة السكنية الواقعة بين الحسوة ومدينة الشعب، وهي منطقة شُيِّدت منازلها على الوادي المعروف بأنه مجرى طبيعي لعبور مياه الأمطار.
لكن ما يثير العجب هو: بأي عقول يجازف البعض بأرواحهم وسياراتهم في بطون الأودية وهي مليئة بالمياه ثم يحملون السيول المسؤولية ويقال كارثة بينما هي في الأصل نعمة وهي بريئة؟! بل بأي بصيرة اقتنعوا بالسكن هناك، مع علمهم اليقين أن بيوتهم مقامة على مجرى السيول؟ وأين الدولة حين سمحت – بل وساهم بعض مسؤوليها – في إصدار صكوك وهمية لأراضٍ هي في الحقيقة "صكوك إغراق"؟ وأين دور الجهات المختصة بالتخطيط العمراني والمساحة التي صمتت على البناء في بطون الأودية؟
لقد بتّ البارحة مذهولًا وأنا أشاهد البيوت وهي تُجرف أو تُغطى بمياه السيول، والهلع والنزوح والخسائر تحيط بالأهالي. فقلت في نفسي: بأي ذنب سكنت هذه البيوت هنا؟ وبأي استهتار ظل أصحابها بين الجدران رغم تحذيرات الناس من قدوم السيول، وكأن بيوتهم مشيدة فوق جبل "إيفرست" لا يمسّها خطر!
ألا يكفينا ما نحن فيه من معاناة، حتى تزيدنا الفيضانات همًّا فوق همّ؟! فعدن – وبيوتها المتهالكة – لا تصمد ساعات أمام الأمطار، فكيف تصمد يومًا أو يومين أمام فيضانات جارفة كهذه؟
إن ما حدث بالأمس يضع السلطات أمام مسؤولية تاريخية: رفع الظلم عن السيول، وذلك بإزالة التعديات على مجاري الأودية، وإنشاء سائلة خاصة لعبور المياه بين الحسوة ومدينة الشعب، وتعويض من تجرأ وبنى في بطون الأودية حتى لا تتكرر الكوارث بمآسٍ أكبر. قد يلومني البعض من الأهالي، لكن هذه كلمة حق أبتغي بها السلامة لهم ولنا جميعًا، وللمجتمع والدولة من ويلات ما هو أعظم.
اللهم لطفك وعافيتك.
✍️ د- عبدالله علي جعيرة