كانت عدن، في عهد الاستعمار البريطاني، مدينةً بُنيت بعناية وفق أرقى التصاميم الهندسية التي راعت أدق تفاصيل الحياة الحضرية. شوارع واسعة، منافذ هواء مدروسة، مصارف أمطار وسيول محكمة، وتخطيط حضري جعل من أحياء كريتر، والمعلا، والتواهي، وخور مكسر لوحة فنية متكاملة، أشبه بعمل فنان بارع يعرف قيمة المكان والجمال.
ورغم مرارة الاستعمار، إلا أن الحكومات الجنوبية المتعاقبة بعد الاستقلال حافظت على النسق الحضري الموروث من تلك المرحلة، لتظل عدن مدينة منظمة ومتناغمة مع طبيعتها ومناخها. غير أن "وحدة 1990" التي تحولت في نظر أبناء الجنوب إلى "وحدة دمار شامل"، فتحت الباب واسعاً أمام الفوضى العمرانية، حيث انتشرت ظاهرة البناء العشوائي بشكل غير مسبوق.
فقد أُبيح البناء على الأرصفة، وأغلقت الشوارع وممرات الهواء، وردمت مخرجات السيول والأمطار، فتحولت الأحياء الواسعة إلى أزقة ضيقة بالكاد تمر عبرها سيارة واحدة. ومع ذلك، يبرر كثيرون هذا السلوك بغياب دور الدولة التي امتنعت لعقود طويلة عن صرف أراضٍ سكنية لأبناء عدن، ما دفع المواطنين إلى استغلال المساحات المتاحة أمام منازلهم للبناء لأبنائهم.
ولعلّ أبرز منعطف كان عندما تولى وزير الإسكان الأسبق سلمان الوالي توزيع الأراضي، حيث اعتمد معايير مناطقية ضيّقت فرص العدنيين، وزادت من شعورهم بالتهميش. ثم جاءت مرحلة نظام صالح، فكان الفساد أوسع وأشد وقعاً، إذ جرى الاستيلاء على المساحات المتبقية من سواحل وشوارع عدن وتوزيعها على المتنفذين والنافذين في السلطة، تاركين البسطاء يواجهون مصير العشوائيات.
اليوم، عندما تهب عاصفة مطرية، تغرق عدن في ساعات. تصرخ أصوات المواطنين، لكن المأساة – كما يصفها كثيرون – هي ثمرة سياسات الإقصاء والفساد، إضافةً إلى سلوك الناس أنفسهم الذين ساهموا في طمس الملامح الحضرية لمدينتهم. وهكذا تجتمع المسؤولية بين دولة لم توفر مشاريع إسكان عادلة، ومواطنين انساقوا خلف خيار البناء العشوائي، ليضيع تاريخ عدن وجمالها في دوامة الفوضى.