في زمنٍ اشتدّت فيه عتمة الواقع، وتوارى فيه كثيرون خلف ستار الصمت أو الخوف أو المصالح، ظهر صوتٌ جهيرٌ لا يعرف المجاملة ولا يُحسن الرضوخ، صوتٌ صادق كطلقةٍ في زمن الخنوع…
إنه الصحفي الحر فتحي لزرق، الذي شبّهته كما شبّهت الخنساء أخاها صخر، حين قالت:
وإنّ صخرًا لتأتمّ الهداةُ بهِ، كأنّهُ عَلَمٌ في رأسهِ نارُ.
فتحي لزرق… عَلَمٌ فعلاً، ولكن في رأسه نار الحق والكرامة، لا تهدأ ولا تنطفئ.
رغم الجراح المثخنة في جسد الوطن، ورغم التمزق السياسي والمناطقي، والانهيار الاقتصادي، وفقدان الأمل، واليأس المتغلغل في أوساط مجتمعٍ مقلوبٍ على أمره — ظل فتحي لزرق كما عهدناه، يقارع الظلم، ويفضح الفساد، ويسمّي الأشياء بمسمياتها، دون تلعثم أو خوف أو تردد.
لقد شحذ قلمه كما يُشحذ السيف، وواجه به المتربصين، وفتح مغاليق الحقائق، وكشف دهاليز الفساد والعبث، ونثرها لأعين الناس، حتى تتكشف ضبابية الواقع، وتُهدم الأصنام الزائفة.
كان قلمه محراثًا يشق صخور الصمت، وكان صوته نداءً لا يلين في وجه الطغيان، وكان حضوره في ساحة الإعلام محرابًا مهابًا، يُرفع فيه صوت المظلوم، وتُفضح فيه صفقات الفساد وأباطرتها.
لقد ظل فتحي ولا يزال، يرفع الغطاء عن ينابيع الفساد، التي فاحت رائحتها في كل مكان، ينشر ملفات، ويكشف فضائح، ويضع يده في أعشاشٍ مليئةٍ بالعقارب، دون أن يتراجع أو يتخاذل.
في زمن تساقطت فيه كثير من الأقلام، وبِيع فيه الضمير بثمنٍ بخس، بقي هو منارة صدقٍ تضيء ما استطاعت من عتمة، ليبقى الأمل حيًا في القلوب بأن الوطن لم يمت بعد، وأن بيننا من لا يزال يقاوم ولو بالكلمة.
سلامٌ على قلمك يا فتحي،
وسلامٌ على ضميرك،
وسلامٌ على كل من قال لا، في وجه من قالوا نعم.
وفتحي إن مضى، فالحق لا يُطفى له نورُ
كأنّ في خطاه صدى… لصرخاتٍ لها جمهورُ
قلمٌ حرٌّ إذا نطقَ… سكتت كل الأبواق والديجورُ
د/ عبدالله جعيرة
4/ أغسطس 2025