في الجنوب، حيث تتقاطع الجغرافيا مع التاريخ وتتداخل الولاءات مع الآمال الشعبية، تبرز محافظتا حضرموت وعدن كنموذجين متباينين في مسار الثورة والتفاعل السياسي.
فبينما تتقدم حضرموت بخطى ثابتة نحو صياغة مطالبها برؤية محلية ناضجة، لتركيبة سكانها الأكثر تجانسًا وأقل تنوعًا من عدن، ما ينعكس على مستوى التجاوب الشعبي مع القضايا الوطنية والثورية ويجعل التفاعل معها أكثر وضوحًا وتماسكًا.
أما عدن، رغم رمزيتها التاريخية كعاصمة الجنوب ومركز القرار، لا تزال تصارع تشتت الخطاب الثوري وسط تنوعها السكاني الناتج عن موجات النزوح والهجرة من مختلف المحافظات، حتى أصبحت بوتقة خليط سكاني يصعب فيه التمييز بين الأصالة والوفادة، هذا غير تداخل الولاءات وتعدد المرجعيات السياسية، مما جعل الحراك الثوري فيها أكثر تشتتًا، وأحيانًا عرضة للاختراق أو التوظيف.
هذا التباين لا يعكس اختلاف الولاء فحسب، بل يكشف عن اختلاف في النسيج المجتمعي، وأدوات التعبير، ودرجة الوعي السياسي لدى السكان، ما يفتح الباب لإعادة فهم معادلة التغيير في الجنوب بعيدًا عن التنميط أو التعميم.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل تصاعد أدوات القمع التي باتت تُستخدم في عدن وغيرها من المدن الجنوبية لإخماد الحراك الشعبي، من خلال الاعتقالات التعسفية، والضرب والمداهمات الليلية، وتلفيق التهم بحق الناشطين والمحتجين والتحريض الإعلامي ضد فئات مجتمعية بعينها.
هذه الممارسات لا تستهدف الأفراد فحسب، بل تسعى إلى تفكيك الروح الجماعية للثورة، وتحويل المطالب الشعبية إلى ملفات أمنية تُدار بعيدًا عن القانون والعدالة.
إن اختلاف مسار الثورة بين حضرموت وعدن لا يعني تفوق أحد على الآخر، بل هو دعوة لفهم خصوصية كل محافظة والعمل على بناء جسور تواصل بين القوى الفاعلة في الجنوب، تُراعي الفوارق وتُوحد الرؤية:
لذلك يرى كاتب المقال، بالنسبة لعدن يجب أولًا استعادة الثقة المجتمعية من خلال خطاب جامع يُعيد تعريف علاقة المدينة بالمشروع الوطني.
في حضرموت، يجب الحفاظ على نضج الخطاب وعدم الانزلاق نحو العزلة أو التوظيف الخارجي الذي يُفرغ الثورة من مضمونها الوطني.
بالنسبة لوسائل الإعلام عليها أن تبتعد عن الخطاب الاستقطابي وتُفسح المجال لتحليلات جادة وبموضوعية وتُرشد الجمهور نحو فهم أعمق لمعادلة التغيير.
وعلى الجهات الحقوقية أن تُكثف جهودها في توثيق الانتهاكات، ومساءلة من يقف وراءها، لضمان أن الثورة لا تُختطف من قبل أدوات القمع والتخويف.
في نهاية المطاف، الجنوب ليس حالة واحدة، بل فسيفساء متكاملة تتطلب رؤى متماسكة تُنضج الثورة وتُوجّهها نحو مستقبل يليق بتضحيات الناس وطموحاتهم.