د. علي العسلي
في وقت قد يُوحي فيه تعدد اللجان الاقتصادية بجدية الدولة في مواجهة الانهيار الاقتصادي، يكشف الواقع عكس ذلك تمامًا؛ إذ نحن أمام مشهد يتكاثر فيه عدد اللجان مع كل تفاقم في الأزمة، دون أن نرى منها سوى المزيد من التبريرات والتغليف السياسي للفشل. فمن "اللجنة الاقتصادية العليا"، إلى "لجنة إدارة الأزمات"، و"الفريق الاقتصادي"، ثم "اللجنة العليا للموارد السيادية والمحلية" برئاسة الزُبيدي، وأخيرًا "لجنة الموازنات العامة" المعنية بالاقتصاد الكلي – التي ربما تكون الوحيدة القادرة على إحداث فرق إذا ما أُشركت فيها السلطات المحلية في المحافظات – كل هذه المسميات لا تتجاوز كونها أغطية لفراغ إداري، وصراع نفوذ، وتضارب في الصلاحيات، وغياب لأي رؤية حقيقية لمعالجة جذور الانهيار الاقتصادي.
ورغم كثافة اجتماعات هذه اللجان، وزخمها الإعلامي، لم تظهر أي نتائج ملموسة، ولا حتى تشخيص دقيق لموطن الخلل أو آلية معالجته للرأي العام. والمفارقة المؤلمة أن من كشف بعض الحقائق لم يكن أيٌّ من تلك اللجان، بل صحفي يمني مستقل، فتحي بن لزرق، من خلال مقابلة جريئة أجراها مع محافظ البنك المركزي الأستاذ أحمد غالب، الذي تحدث بلغة الأرقام والصراحة، كاشفًا أن أكثر من 147 جهة حكومية إيرادية لا تورد سوى 25% من إيراداتها إلى البنك المركزي، وأنه لا توجد موازنة للدولة منذ عام 2019، وأن المشهد المالي تحكمه الفوضى والارتجال، وأن المحافظات تدير مواردها خارج إطار الدولة، وتمرر ميزانياتها الخاصة دون رقابة أو مرور عبر البنك المركزي، الذي بات فعليًّا بلا سلطة على السوق المصرفية أو الجهات الإيرادية.
المثير للتساؤل أن نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، عيدروس الزبيدي، لا يزال متمسكًا برئاسة اللجنة العليا للموارد السيادية والمحلية، في وقتٍ تتخلف فيه معظم الجهات الإيرادية عن التوريد! فكيف يُعقل أن يرأس لجنة هدفها ضبط الموارد، بينما الموارد نفسها لا تُورَّد؟! أليس ذلك تناقضًا صارخًا ومسؤولية مباشرة؟!
والمفارقة أن الاجتماع الأخير الذي ترأسه الزبيدي تبعه انخفاض طفيف في سعر لتر البترول في عدن والمحافظات المجاورة، لم يتجاوز عشرة إلى عشرين ريالًا فقط، وقيل إن الفضل يعود لاجتماع اللجنة العليا! وهو ما بدا مثيرًا للسخرية، إذ إن سعر صرف الدولار قد تجاوز حاجز 2900 ريال، فهل يُعقل أن تُحدث عشرة ريالات فرقًا يُذكر في معاناة المواطن المعيشية؟!
بينما الأجدر بالشكر هو محافظ البنك المركزي اليمني، الأستاذ أحمد غالب، الذي أعلن قبل قليل – عبر صفحته في "فيسبوك" – أن البنك تمكن اليوم من رفع قيمة الريال بنسبة 24٪، أي بتخفيض سعر صرف الدولار من 2900 إلى 2190 ريالًا. وهذا هو الأمل الحقيقي الوحيد في الأفق، ونتمنى أن يستمر تحسن قيمة الريال مقابل العملات الأجنبية خلال الساعات والأيام المقبلة.
ربما أُشير في أحد اجتماعات مجلس القيادة الرئاسي إلى تكليف الزبيدي بهذه اللجنة، لكن لا أحد يعرف على وجه الدقة كيف شُكّلت، ولا من هم أعضاؤها، ولا ما القرارات التي اتخذتها – إن كانت قد اتخذت أصلًا. باستثناء خبر يتيم عن اجتماعها الأخير، تغيب عنها الشفافية والمخرجات.
فهل أراد اللواء الزبيدي من خلال ترؤسه هذه اللجنة إرسال رسالة سياسية مفادها: "نحن هنا أيضًا"؟
هل كان يحاول مجاراة الرئيس رشاد العليمي، الذي يقود اجتماعات رسمية مع الحكومة ورئيس الوزراء ومحافظ البنك المركزي، ويترأس الفريق الاقتصادي المنبثق عن إعلان نقل السلطة، بالإضافة إلى لجان عليا لإدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية، بهدف تذليل العقبات وتصحيح الاختلالات في المؤشرات الكلية؟
ما الهدف الحقيقي إذًا من اجتماعات الزبيدي؟
وهل تحوّلت لجنته إلى مجرد أداة للمناورة السياسية؟
أم وسيلة لتقاسم النفوذ؟
أم مخرجًا للتهرب من اتخاذ قرارات حاسمة؟
الأسوأ من كل ذلك أن هذه اللجان لا تخضع لأي مساءلة، ولا يوجد تقييم دوري لأدائها. وهي في الواقع مجرّد عناوين براقة تُخفي عجز السلطة الكامل عن اتخاذ قرارات استراتيجية.
كان الأجدر باللواء الزبيدي أن ينطلق من حيث انتهى الرئيس العليمي، لا أن يعيد إنتاج ذات الدوائر المغلقة والاجتماعات الشكلية، بينما الأزمات تتعمق، وسعر الصرف ينهار، والخدمات تنهار، والغضب الشعبي يتصاعد. فما جدوى هذه اللجان إن كانت مجرد تغليف لعجز متراكم؟
أما ما نشهده في حضرموت من تصعيد شعبي، فليس نتاج لحظة طارئة، بل نتيجة تراكمات لغضب شعبي من سلطة محلية عاجزة ومرتهنة لصراعات النخب، وللانتقالي، وللمركز. بدأت المطالب بتحسين الخدمات، ثم تحوّلت إلى مطالب بالحكم الذاتي. وهذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل من غياب الثقة، وتكرار الوعود الفارغة، وفشل إداري مزمن. قطع الطرق، إغلاق الموانئ، العصيان المدني... لم تعد أدوات احتجاج فقط، بل رسائل صارخة تقول: الدولة لم تعد مرئية. والرد المعتاد؟ تشكيل لجنة جديدة! فإن أردت أن تُميت قضية في اليمن... شكّل لها لجنة!
فماذا قدمت هذه اللجان؟
هل وضعت خطة طوارئ اقتصادية؟
هل ضبطت السوق المصرفية؟
هل أوقفت عبث المحافظات بالإيرادات؟
هل أنشأت صندوق طوارئ؟
هل أصلحت السياسة النقدية؟
الجواب: لا شيء يُذكر.
كل لجنة تُشكَّل فقط لتغطي على فشل سابقتها، حتى أصبحنا أمام سلسلة من "اللجان المتوالدة" التي لا وظيفة لها سوى إنتاج التبريرات والتسويف. وبعضها تحوّل إلى أدوات ابتزاز سياسي أو وسائل لتعزيز النفوذ داخل الدولة، كما هو ظاهر في عدن وحضرموت. بل الأخطر من ذلك، أن هذا التعدد يعكس انقسامًا حادًّا داخل مجلس القيادة الرئاسي، وغياب التنسيق بين الرئاسة والحكومة والبنك المركزي. الكل يلقي الكرة في ملعب الآخر، والنتيجة: استمرار الانهيار.
الزبيدي يحاول أن يظهر كمُنقذ للجنوب، ويعود إلى "الدويلة" في عدن، في حين يذهب الرئيس العليمي إلى الرياض، عاصمة القرار العربي، للقاء الأشقاء والأصدقاء، لمحاولة إقناعهم بتوجيه الدعم نحو استقرار اقتصادي حقيقي، لا الاكتفاء بإنعاش مؤقت للعملة.
يسعى الرئيس العليمي لإنقاذ الدولة، والوفاء بالتزاماتها بشتى الوسائل، لكن بدلًا من أن يظهر هو والزبيدي وباقي أعضاء مجلس القيادة والحكومة كجبهة شرعية واحدة متماسكة، نراهم يتحركون في اتجاهات متباينة، بينما المواطن يئن.
والأسوأ من ذلك أن لجان الرقابة البرلمانية – التي يُفترض أن تكون الحارس الطبيعي للمساءلة – مُنعت من أداء مهامها في معظم المحافظات الجنوبية. اللجنة الوحيدة التي تمكنت من إنجاز مهامها كانت لجنة مأرب، والتي قدّمت السلطات المحلية فيها جميع الوثائق بشفافية، بحسب ما أكده رئيس اللجنة الأستاذ عبد الله المقطري في تصريحاته للإعلام، حيث استعرض الوثائق المقدمة من مختلف المؤسسات الإيرادية وغيرها، وأثنى على تعاون المحافظ، اللواء الشيخ سلطان العرادة، نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي.
أما في المقابل، فقد مُنعت لجنة حضرموت من أداء مهامها من قبل المجلس الانتقالي، في مشهد يكشف حجم التشوهات العميقة في منظومة الرقابة، ويفضح غياب الإرادة الحقيقية للإصلاح، ويكرّس النزعة اللا-دولية التي تنهش مؤسسات الشرعية وتفرغها من مضمونها.
وما عجزت الدولة عن فعله، فعله صحفي مستقل، من خلال تقاريره الميدانية وتساؤلاته العميقة، التي كشفت مكامن العبث، وفضحت المستور أمام الرأي العام. المشكلة ليست في الأدوات، بل في غياب الإرادة، وتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات للجباية وتقاسم النفوذ.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى التفكير في حلول جذرية، تبدأ بـ:
• دمج جميع اللجان في مجلس إنقاذ اقتصادي وطني بصلاحيات واضحة ومسؤولية فعلية.
• فرض الشفافية على كل الجهات الإيرادية، من خلال نظام رقمي مركزي متصل بالبنك المركزي.
• إعلان موازنة عامة حقيقية لعام 2026، تستند إلى الموارد الفعلية وتُقر من مجلس النواب بعد تفعيل دوره الرقابي.
• فرض رقابة دولية على المنح والودائع وربط أي تمويل خارجي بإصلاحات ملموسة.
• إعادة هيكلة العلاقة بين المركز والمحافظات لضمان العدالة في توزيع الموارد، وضبط الفساد، ومحاسبة المقصّرين، وعلى رأسهم مسؤولو الكهرباء والخدمات في عدن وحضرموت وسواها.
لقد سقط القناع عن "لجان السلطة"، وظهرت الحقيقة: في كلمات محافظ البنك المركزي، وفي حراك حضرموت، وفي عيون مواطنين يُسحقون تحت وطأة الانهيار.
اليمن لا يحتاج إلى لجان جديدة، بل إلى دولة جديدة.
دولة تُحاسب، تُخطّط، تُنفّذ، وتُنهي زمن المناورات والازدواجية.
أما اللجان، فمكانها الأرشيف الوطني... علّها تروي قصة فشل، لا نريد لها أن تتكرر.