آخر تحديث :الإثنين-20 أبريل 2026-04:06ص

على رصيـــف الصبـــر

الأربعاء - 30 يوليو 2025 - الساعة 08:22 م
د. عبدالله جعيرة

بقلم: د. عبدالله جعيرة
- ارشيف الكاتب



حياتنا في هذه المعمورة ميسّرة بتقدير الله منذ أن تطور الخلق من مضغة إلى علقة ثم إلى روح... ثم تبدأ رحلة صراع الحياة المرة، التي تميز بصيحات الوليد عند خروجه إلى العالم الدنيوي.

لقد مررنا بتلك المراحل تباعًا وولجنا كنف هذه الحياة لنمضي، لنقاوم، لنسمو، لنتعلم، ونتألم...

حينها تسلّقت لأصل إلى رصيف الصبر تحت مظلّة الأمل، وكأني أنظر إلى قطار عابر لا يحمل عنوانًا، كأنني أرى سرابًا في بقعة يحسبه الظمآن ماءً، بل كأنني ألوّح لأمل لا يشرق في صباحه البعيد، في الأفق المنتظر...

على أرصفة الصبر أقف كل مساء مستندًا على عكازي الوفي، ولا أملك رداءً يدفئ جسدي إلا صدري المثقل، ولا حقيبة طعام تواسيني إلا خيبات ظني المنبثقة من القلب.

أجثو وأحجز مقعدي على رصيف الصبر، لا أرغب ولا أنتظر أحدًا!

يصيبني الملل من الانتظار، فأستلقي على ظهري برصيف الصبر الخشن، لأُطلق بصري عاليًا في فضاء الله الواسع، عسى أن أرى شعاع أمل ينير نهاية وجعي وبداية شفائي مجهول الملامح.

أخلد للنوم على ذلك الرصيف، وتجتاحني الأحلام، تحاصرني الذكريات التي شاركناها معًا منذ نعومة أظافرنا وحتى بياض خصلات شعورنا.

كنت أحسبه العكاز الذي يجتاز بي درجات السلالم، وتبين لي أن العكاز قد نخرته دابة الأرض، لتتهاوى الثقة في عتمة الليل وعلى طبقات رمال باردة.

في مشاهد الحلم، صوت صديق الطفولة يجبر شفتاي على الحركة أحيانًا، والابتسامة أحيانًا أخرى.

صحوت من حلمي، وأدركت أنني جُرحت من جهة لم أحمل لها سلاحًا، وطعنت بخناجر المادة والخداع.

على أرصفة الصبر، لم تكن اللحظة الأولى الأصعب، بل الخطوة التي أدركت فيها أن الطريق ليس كما ظننته، وأن الكتف الذي كنت أتكى عليه انسحب بهدوء في جلباب الطمع المادي ، تاركًا ظهري لعتاوة الريح.

لم أصرخ، ولم أعاتب، فقط جمعت شتات قلبي وجلست على طرف الشعور، أراقب انطفاء ثقتي بصمت.

كان بوسعي أن أعلن الحرب، لكني اخترت أن أكون كما أنا، الوفي دومًا، فالصمت في حضرة الغدر أكبر من ألف احتجاج.

وفي عملي، لا تقل الأرصفة ألمًا كي أقف عليها، بوجه يشبه الرضا وبواقع يشبه الاحتراق، وأحلام أكبر من يدي.

في عهد جفت فيه الأنظمة، وشحّت الموارد، وتعّبت الأيادي أو تخلّت، في زمن الاضمحلال، يتباكى الحاسدون لتحدث معجزة الجريح أن يطير، والمثقل أن ينهض بقمم من الرماد.

يُقتل طموح الساعين تحت مسمى "الحرص المجتمعي"، وتُسمم نوايا الخير باسم "المصلحة العامة"، وما هي إلا أحقاد ذاتية بلباس الزيف!

ورغم كل ما يُقال ويُحاك، سنبقى على رصيف الصبر، نحدق في المدى بعيون الحالمين، فإن أسعفنا الله بإضافة لبنة في جدار الأمل فبها، وإن لم يكن، فلن نحدث ضجيجًا عند الرحيل.



عبدالله جعيرة ،،