آخر تحديث :الأحد-05 أبريل 2026-11:52م

المجلس الرئاسي وكثر الإجتماعات

الثلاثاء - 24 يونيو 2025 - الساعة 07:45 م
صابر الجرادي

بقلم: صابر الجرادي
- ارشيف الكاتب


نحن كإداريين، كثرة الإجتماعات دليل على الفشل الإداري، لا نراها مؤشراً على النشاط أو الجدية كما يُشاع، بل نقرأها–بكل بساطة–كعلامة على خلل عميق في آلية اتخاذ القرار، وعلى غياب التخطيط الاستراتيجي الفعال.

فالمؤسسة التي تعقد الاجتماعات بلا نهاية، ولا تحقق شيئًا بعدها، إنما تدور في دوامة عبثية لا ينتج عنها إلا هدر الوقت والطاقة والموارد.


من بدأ المجلس الرئاسي، ونحن لا نرى شيء في واقعنا، لا خدمات ولا مؤسسات دولة، ولعل هذا المشهد يتكرر أمام أعيننا بشكل فاقع في أداء المجلس الرئاسي اليمني مؤخرا بشكل مكثف..

فمنذ تشكيله، لم يكن هناك أسبوع إلا وتصدرت مواقع التواصل و عناوين الأخبار عبارة: إجتماع المجلس الرئاسي، مجلس الوزراء، مجلس المحافظة.. إجتماعات لا تتوقف، لكن ماذا بعد؟ أين المخرجات؟ أين الخطوات الملموسة على الأرض؟ ومع كل هذه الإجتماعات لا شيء ملموس، سوى تفاقم الوضع في كل المناطق المحررة..


كثرةالإجتماعات لا تصنع القرار في العادة، بل تؤجله.


يقول داركر وهو من مؤسسي علم الإدارة عن الإجتماعات: الاجتماعات ضرورية عندما لا تريد أن تفعل شيئًا..

لأنه حين تكون الاجتماعات متكررة بلا نتائج واضحة، فإنها تصبح ملاذًا للمماطلة، وشكلًا من أشكال التهرب من الحسم..


وإذا نظرنا إلى المجلس الرئاسي، فإننا لا نجد ما يدل على أن هذه الاجتماعات المتكررة قد أنتجت شيئًا ملموسًا سوى البيانات الإعلامية، والتي لا تتعدى كونها تغطية شكلية لانعدام الفعل الحقيقي. فلو كانت الاجتماعات تفضي إلى نتائج حقيقية، لما كنا اليوم نغرق أكثر في أزمات متعددة، من الكهرباء، إلى الاقتصاد، إلى الوضع الأمني، بل حتى في ملف المرتبات والخدمات الأساسية.


في علم الإدارة، درسنا وندرس طلابنا أن جودة القرار لا تتناسب طرديًا مع عدد الجلسات أو طول مدة النقاش، بل مع وضوح الهدف، وحسم القيادة، واعتماد أدوات تحليلية مدروسة..

لأن الاجتماع الناجح هو ذاك الذي يبنى على أجندة واضحة، ويدار بزمن محدد، ويخرج بتوصيات قابلة للتنفيذ.

أما ما نراه في واقع المجلس الرئاسي فهو أقرب إلى طقوس بروتوكولية منه إلى ممارسة إدارية حقيقية. ولو كانت الاجتماعات تنفع بمفردها، لما انهارت دول، ولا فشلت شركات، ولا انهارت مؤسسات.




نحن لا نحتاج إلى عبقرية لنفهم أن القائد الحقيقي لا يدمن الجلوس خلف الطاولات ولا يكتفي بترديد كلمات التضامن والنوايا الطيبة، بل يتقدّم الصفوف، ويحول الكلام إلى فعل.

والمجلس الرئاسي، كما يبدو، لم يحسم أمره بعد كسلطة تنفيذية، بل يبدو أنه ما زال "يتدرب" على إدارة الدولة وسط أزمات متلاحقة. وهذا بالضبط ما يفسر هذا الإدمان غير المفهوم على الاجتماعات، لأن غياب القيادة الموحدة يعني غياب القرار الموحد، وبالتالي تزداد الحاجة إلى اللقاءات لمحاولة رأب التصدعات بين المكونات المختلفة داخله.



لأن ما يؤلم أكثر أن كل اجتماع جديد لا يورثنا، سوى خيبة أمل جديدة. فماذا يرجى من اجتماع يناقش مأساة الرواتب المتوقفة منذ سنوات؟وينتهي وتمر شهور ولاجديد؟ أو مناقشة تحسين العمل وتمر السنوات ولاجديد سوى تفاقم الصرف؟ أو أزمة الكهرباء التي تذل الناس صيفًا وشتاءً؟ ووضع الخدمات الصحية والتعليمية التي تنهار أمام أعين الجميع؟


إن المجلس القيادي من خلال السنوات التي مرت يثبت لنا حقيقة أنه أسوأ من حكم اليمن، ولن تكون هناك نتائج ملموسه منه، مهما بقي..


الحقيقة أننا بحاجة إلى قرارات حاسمة، لا إلى لقاءات شكلية. نحن بحاجة إلى مسؤول ينزل إلى الميدان، لا إلى من يكتفي بإلقاء الخطب من على المنصات أو خلف الكاميرات. نحن بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم "الحكم" في عقول من يعتقدون أن السلطة تعني الجلوس الطويل في المناصب واجرأ اللقائات والإجتماعات، وإصدار التوجيهات، وتبادل المجاملات.

الحكم ليس احتفالاً بالنوايا الحسنة، بل عملاً صارمًا يستند إلى بيانات ومعطيات وقرارات حازمة. وهذا ما نفتقده اليوم.


لا أعلم لماذا انابتني حساسية خاصة تجاه فكرة "كثرة الاجتماعات"، لأنها تخبرني– بلغة صامتة –أن هناك خللاً في المنهج، والقيادة، نتيجة الارتباك في تحديد الأولويات. والمؤسف أن هذه السمات باتت تتطابق تمامًا مع أداء المجلس الرئاسي في اليمن.

آن الأوان لأن ندق جرس الإنذار، فكثرة الاجتماعات لا تبني دولة. لا تنقذ وطنا. ولا تطعم جائعا. قبل أن يزيد الوضع أكثر مما هو سيء..