في مدينةٍ لم تُطوَ فيها بندقية، ولم يُطفأ فيها ضوءُ شمعةٍ تُقاوم انقطاع الكهرباء، جلس ناصر وعادل على طاولةٍ واحدة، كلٌّ منهما يُمسك كوب قهوته كما لو كان يمسك جمرًا.
ناصر يرى أن الشرعية هي آخر ما تبقّى من الدولة.
عادل يردّ عليه بثقة: “أي دولة؟ نحن في زمن الانتقالي… زمن فرض الإرادة بقوة الأرض”.
تحوّلت الطاولة إلى ساحة حرب مصغّرة…
السخرية حلّت محلّ الاحترام، والاتهامات كانت تطير أسرع من رشفات القهوة.
لم يكن النقاش حول كيفية استعادة الدولة، بل حول من هو الأحق بتمزيق صورتها!
وفي الزاوية الأخرى من المدينة، كانت فتاةٌ شابة تقف في مقدمة مظاهرة تطالب بالخدمات الأساسية.
تحمل لافتة كُتب عليها: “نحن لسنا أدوات لأحد… نحن ضحايا الجميع!”
لكنها لم تُمنح حق الصراخ…
جاءها صوتٌ عبر مكبّر صوت أحد المحسوبين على النخب السياسية:
“هذه تحرّكات مشبوهة.. مدعومة لإسقاط سلطاتنا!”
فإذا بالمحتجّين يتحوّلون من ضحايا إلى متّهمين.
أُطفئت شرارة الحقّ بتهمة الخيانة، وأُخمد الصوت النقي بشائعة الانتماء السياسي.
المشهدان مختلفان في التفاصيل، لكنهما يلتقيان في الحقيقة المرّة:
نحن لم نعد نعرف من هو العدو.
صرنا نُقاتل بعضنا وكأن الوطن كعكة في وليمة، بينما هو في الحقيقة جثة مخطوفة في ثلاجة الميليشيا، لا يجرؤ أحد على فتحها، ولا أحد يملك شجاعة دفنها أو إنعاشها.
صرنا نُسارع في إشعال الحرائق في منازلنا، ونترك بيتنا الكبير تحتله ميليشيا لا تعترف بنا أصلًا.
نلعن بعضنا في وسائل التواصل، ونغضّ الطرف عن مَن سرق الدولة وحوّلها إلى ضيعة دينية ومخبرٍ إيراني في خاصرة الجزيرة.
أصبحنا أدوات مجانية في يد العدو.
نحارب بعضنا نيابةً عنه، نُشكّك في بعضنا بلسانه، ونتناسى كل يوم أنه من دمر دولتنا وشرد شعبنا واغتال جمهوريتنا.
نمنح الميليشيا وقتًا إضافيًا في ملعب الفوضى.
نمنحها غطاءً سياسيًا بصراعاتنا العبثية.
نُهدر كل لحظة نحتاج فيها للتماسك، ونستثمرها في الطعن المتبادل.
فهل هناك خيانة أكبر من أن ننسى من يقتلنا كل يوم، ونتفرغ لنقتل بعضنا؟
هل هناك هزيمة أعمق من أن نُصبح سكاكين في يد السجان، نطعن بها من يُشاركنا الزنزانة؟
اصلحوا ذاتكم يا سادة.
أوقفوا هذه المعارك الثانوية…
فلن ينجو أحد من الغرق إذا كانت السفينة كلها في قبضة القراصنة.