في القانون، الجريمة هي كل فعل أو امتناع يجرّمه النص ويُعاقب عليه، والعقاب هو الجزاء الذي يناله الجاني بعد أن تُثبت إدانته بمحاكمة عادلة، ميزان دقيق بين الفعل والمساءلة... بين الذنب والجزاء.
لكن دعونا نروي لكم الجريمة والعقاب، ليس من نصوص القانون، بل من صوت الشارع... من عين المواطن، ذاك الذي لا تطرق العدالة بابه، بل تطرق رأسه كل يوم."
الجريمة: أن تخرج النساء تطالب بالكهرباء والماء والراتب ولقمة الخبز
العقاب: أن تُتّهم بأنها نازحة، دخيلة، من عرب ٤٨، وكأنها ليست من هذا الوطن.
الجريمة: أن يصرخ رجل من شدة الغلاء، من جوع أولاده، من ألم العجز أمامهم
العقاب: أن يُرمى بأنه محرض، مشاغب، مندس، عميل.
الجريمة: أن يرتفع الدولار كل يوم بينما المرتب يظل ميتًا في مكانه
العقاب: أن يُجبر المواطن على دفع فرق العملة من دمه وأعصابه.
الجريمة: أن يُترك الأطفال بلا تعليم
العقاب: أن يُقال لأهلهم "اصبروا" بينما تُسرق الموازنات وتضيع السنوات.
الجريمة: أن يُضرب أساتذة الجامعات لأن رواتبهم لا تكفي حتى لشراء مستلزمات أبحاثهم
العقاب: أن تتجاهلهم الحكومة، وكأنهم لم يدرّسوا أجيالها ولم يصنعوا عقولها.
الجريمة: أن يصبح "العَلم" رمزًا نقيًا للحرية، ثم يتحول إلى غطاء للفاسدين
العقاب: أن يتشائم الناس من ألوانه، لا لأنهم خونة، بل لأن الخونة لبسوه وتاجروا به.
الجريمة: أن يخرج الشباب للتظاهر حبًا في وطنهم
العقاب: أن يُستبدّ باسمهم، وتُباع أحلامهم بشعارات فارغة.
الجريمة: أن تطالب بحقك
العقاب: أن تُصنّف خطرًا على النظام، ومُقلقًا للسكينة العامة.
الجريمة: أن من يستلم بالريال اليمني يُعامل كمواطن من الدرجة الأخيرة
العقاب: أن تتأخر رواتبه شهورًا، ولا تكفي لشراء كيس دقيق، بينما تصرف بالدولار والريال السعودي لأصحاب النفوذ بانتظام.
الجريمة: أن يعمل الإنسان طوال عمره، ويكدّ، ويُعلّم، ويصبر على قهر المعيشة
العقاب: أن يقف في العيد عاجزًا أمام أطفاله، لا يستطيع شراء خروف، ولا كسوة، ولا حتى حلوى بسيطة.
الجريمة: أن لا يعمل البعض، ويتقاضى الدولارات والريالات دون جهد أو إنتاج
العقاب: أن يعيشوا في رفاهية، ويوفروا الأضاحي والولائم والملابس لأسرهم دون حساب.
وفي مثل هذه الأيام، كنا نسمع خوار الأضاحي من كل منزل، وكانت البيوت تتزين بفرحة العيد،
أما اليوم، فلا نسمع إلا أصوات المواطير، وصرخات الجيوب الخاوية، وصمت الآباء المكسورين.
في مثل هذه الأيام، كان الآباء يخرجون لشراء كسوة العيد لأطفالهم،
أما الآن… فهم في معركة خاسرة مع راتبٍ لم يُصرف بعد، وإن صُرف، فلا يكفي لشراء نصف سلة غذائية للأسرة.
فأين هي الجريمة الحقيقية؟
ومن الذي لم يعرف طعم العقاب؟
من الذي أفقر الناس ونهب خيراتهم وسرق حاضرهم ومستقبلهم؟
ومن الذي ما زال يُهان لأنه ما زال يؤمن أن الوطن يجب أن يكون أفضل؟
في القانون، الجريمة لها عقاب، أما في واقعنا... فالعقاب دائم، والجريمة أن هناك مؤامرة مقننة،
وشعب يُعاقب لأنه يبكي على أطلال وطنٍ يحلم به.