لا يُقاس نضج الدول بحجمها الجغرافي ولا بعدد سكانها، بل بمدى رجاحة عقلها السياسي وحسن إدارتها لمصالحها. فبريطانيا، على الرغم من صغر مساحتها وقلة مواردها، استطاعت أن تدير إمبراطورية امتدت على رقعة شاسعة من العالم، لا لأنها الأغنى أو الأقوى عسكرياً، بل لأنها كانت الأكثر فطنة في فن الممكن السياسي. وعلى النقيض منها، نجد كوريا الشمالية التي تمتلك ترسانة عسكرية ضخمة، لكنها تحولت إلى كيانٍ منبوذٍ حتى من داخل أسواره، نتيجة اختلال ميزان الحكمة في قراراتها.
من بديهيات السياسة العاقلة، أن تعترف الدول بالأمر الواقع، وتتعامل معه بما يخدم مصالحها، دون مكابرة أو عواطف مفرطة. فالحكومات لا تقيم علاقاتها بناءً على من هو "الأحق"، بل على من هو "المؤثر". وما يعوق هذا المنطق سوى ضباب الأيديولوجيا أو قصور في قراءة المتغيرات.
وفي هذا السياق، يمكن فهم الإشارات التي وردت في قمة الرياض إلى الحوثيين، لا كإقرار بشرعيتهم، وإنما كاعتراف بوجودهم على الأرض كطرف لا يمكن تجاوزه. وقد لا يُستبعد أن يكون لهذا الاعتراف الصامت بعدٌ استراتيجيٌ يرتبط بمحاولة خلق "بُعبع" جديد من جهة الجنوب، يكمل دائرة التخويف التي ترسمها إيران من جهة الشمال. فإن كانت طهران هي الفزّاعة التقليدية لدول الخليج، فاليمن – بوضعه القابل للاشتعال – لا بد أن يُصور كخطر مماثل من الجهة المقابلة. فالدول العظمى لا تترك حلفاءها في حالة استرخاء ما لم يكن هناك مبرر دائم للحماية والتدخل.
أما الحكومة الشرعية اليمنية، التي تحظى باعتراف واسع، فلم يكن لها حضور يُذكر في مداولات القمة، رغم أنها تمثل الطرف الرسمي في المعادلة اليمنية. واليمن ككل – رغم قربه الحرج من الحدود السعودية – لم يتصدر أجندة الزيارة، في حين نالت سوريا قدراً من الاهتمام يكشف حجم التغير في الأولويات الإقليمية.
في المقابل، نجد أن السعودية، والإمارات، وقطر، تتحرك بديناميكية عالية، مستندة إلى شبكة مصالح استراتيجية تتجاوز التصورات البسيطة التي يتداولها رواد وسائل التواصل الاجتماعي. من يتصور أن هذه الدول تنثر أموالها دون مقابل، فهو لا يفهم أبجديات السياسة الواقعية. فالعلاقات الدولية، خاصة في منطقة تتقاطع فيها الطموحات والمخاطر، تُبنى على المصالح المتبادلة لا على العواطف أو المجاملات.
لكن الغائب الأكبر في هذا المشهد هو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الذي يبدو عاجزًا عن فرض حضوره في المحافل الإقليمية، مكتفيًا بدور المتفرج على قضيته الوطنية وهي تُدار من حوله. وإذا كانت المملكة العربية السعودية – وهي صاحبة الدور المحوري في التحالف – لا تزال تعتبر أمن اليمن جزءًا من أمنها، فإن حجم التراجع في الأولويات، أو التساهل في التعامل مع الشرعية، يطرح تساؤلات مشروعة عن مدى جدية الرغبة في إنهاء الحرب فعلاً، لا فقط إدارتها إلى أجل غير معلوم.
وهكذا، تبقى الدول العاقلة هي التي تزن قراراتها بميزان المصلحة، وتعترف بالواقع كما هو، وتسعى لتشكيله بما يخدم أمنها واستقرارها، لا بالضجيج، بل بحكمة الفعل وهدوء التأثير.