آخر تحديث :الأربعاء-01 أبريل 2026-11:51م

بين التردد والسقوط .. الجنوب خارج المعادلة

الأربعاء - 07 مايو 2025 - الساعة 05:22 م
ماهر باوزير

بقلم: ماهر باوزير
- ارشيف الكاتب


بينما تتجه الأنظار إلى الاتفاق المحتمل بين الولايات المتحدة والحوثيين لإنهاء الحرب في اليمن، يخيّم الصمت المربك على الساحة الجنوبية، وتغيب المواقف الواضحة في لحظة مصيرية تعاد فيها صياغة المشهد اليمني من جديد، لقد سقطت شعارات "استعادة الشرعية" و"تحرير صنعاء"، ولم يعد أحد يأخذ هذه العناوين على محمل الجد، لا محلياً ولا دولياً، وفي هذا التوقيت الدقيق، كان من الطبيعي أن يتقدم الجنوب بخطاب واضح ومشروع سياسي مستقل، يعيد له مكانته كطرف أصيل في أي تسوية قادمة، لكن ما حدث هو العكس تماماً :

تردد، ارتباك، وتراجع عن المبادرة، وكأن الجنوب اختار أن يكون على هامش الطاولة لا في صلبها .


غياب الموقف الجنوبي الجامع، والانكفاء خلف تحالفات هشة أو شعارات إنشائية، جعل من قضية الجنوب ـ التي لطالما كانت عنواناً للكرامة والحق ـ ورقة ضعيفة في يد قوى أخرى، تتحرك وفق مصالحها لا وفق أحلام الشعب الجنوبي، لقد ضاعت فرصة سياسية نادرة كان يمكن من خلالها فرض معادلة جديدة تعكس الواقع على الأرض وتستجيب لتضحيات الناس، وكل تأخير إضافي في بناء موقف وطني مستقل يزيد من احتمالات استبعاد الجنوب من خارطة الحلول، أو إدراجه كقضية فرعية، لا كمسار رئيسي .


إن ما يحدث اليوم هو لحظة إعادة تعريف للمشهد اليمني بأكمله، تُعاد فيها صياغة موازين القوى على أساس التفاهمات الدولية لا على أساس صراخ الداخل، وفي هذا السياق، فإن الجنوب الذي قدّم التضحيات وبسط سيطرته الجغرافية على معظم أراضيه، يجد نفسه خارج دوائر القرار الفعلي، والسبب لا يعود إلى ضعف الإمكانيات، بل إلى غياب الرؤية السياسية الجريئة التي تتحرر من أُطر التبعية وتنتقل إلى مستوى الفعل الوطني المستقل، الصراع في اليمن لم يعد كما بدأ، لم يعد صراعًا بين "شرعية" و"انقلاب"، بل بات صراعًا بين مراكز نفوذ محلية تبحث عن اعتراف دولي، وبين قوى دولية ترسم حدود مصالحها بأدوات جديدة، ومن لا يفهم هذا التحول الاستراتيجي سيبقى يلهث خلف أوهام شعاراتية بينما تُحسم المعركة الحقيقية في غرف مغلقة .


الجنوب يحتاج إلى قيادة تمتلك الجرأة لإعلان الانفصال السياسي عن المشاريع الفاشلة، لا الانفصال الجغرافي فقط، قيادة تقرأ التحولات وتبادر، لا تراقب وتنتظر، في السياسة كما في الحياة، التردد في لحظة الحسم لا يعني الحياد، بل يعني السقوط، ومن لا يمتلك الشجاعة حين يُفتح باب التاريخ، سيُغلق عليه الباب من الخارج، ويُترك في العتمة ... خارج المعادلة !