فجر اليوم، وبمحض الصدفة، التقيتُ أحد المناضلين الشرفاء، من أولئك الذين خرجوا إلى الساحات حاملين أعلام الجنوب، يهتفون للحرية، ويطالبون باستعادة الوطن في وجه القمع، والبطش، وجبروت عفاش وأعوانه.
مازحتُه قائلًا:
"الجنوب قادم!"
فأجابني بحسرةٍ يعتصرها الألم، ونظرةٍ تنزف وجعًا:
"كنّا نظنّ فيهم خيرًا... لكن خاب الظن، وسقطت الأقنعة.
والله، لو كان فيهم خير، لما وجدتُ نفسي ومعي كثير من الشرفاء نحمل السِّلل على ظهورنا منذ الفجر، ننقّب في القمامة، نبحث عن الدبب البلاستيكية، نسدّ بها رمقنا، ونُطعم أبناءنا من بقايا البقايا، ومن فتات الفُتات!"
ذلٌّ وهوان، وحرمانٌ وعَوَز، وحسرةٌ تقصم الظهر...
قادة اليوم لا نعرفهم، لم يكونوا معنا، لم نرَهم في الساحات، ولم يذوقوا ما ذقناه؛ شهداؤنا من أعزّ الأصدقاء تساقطوا أمام أعيننا، وآهات جرحانا وصرخاتهم لا تزال تدوي في الذاكرة، وعشنا عذاب السجن، ومرارة الخوف من بطشهم ومداهماتهم.
ذقنا ما لم يذقه أحد...
واليوم، نتحرّع الحرمان، ونكابد العوز، ونسأل الله الصبر.
لم نندم، ولن نندم.
لكن يعزّ علينا، ويحزّ في نفوسنا، ويُخزينا، ويكسر خواطرنا، ويمزّق قلوبنا... أنَّهم جنوبيون!
وبعد أن أنهى حديثه، التفت لي قائلًا بسخريةٍ حزينة:
"هيا، تحرّك من قدامي،
الدقيقتين حقك نكّشت علينا المواجع،
والدبب طارت مع المناضل اللي قدّامي!"