آخر تحديث :الثلاثاء-03 مارس 2026-07:24ص

انعدام الرؤية

الأحد - 16 فبراير 2025 - الساعة 07:59 م
بلال غلام حسين

بقلم: بلال غلام حسين
- ارشيف الكاتب


لطالما كانت المعارضة في كافة الأنظمة تلعب دور "حكومة الظل"، حيث تراقب وتحاسب الحكومة الحاكمة، وتقدم بدائل سياسية واقتصادية تسهم في تحسين الأداء الحكومي وخدمة الشعب .. لكن في الحالة اليمنية، وخاصة بعد دخول المجلس الانتقالي الجنوبي في شراكة السلطة ضمن الحكومة والمجلس الرئاسي، فقد هذا الكيان هويته كمعارضة، وبات جزءًا من منظومة الحكم، بل ومن شبكة الفساد التي كان يزعم محاربتها.

وعندما تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017، كان يحمل خطابًا معارضًا للحكومة اليمنية، متبنيًا مشروع الانفصال واستعادة الدولة الجنوبية، مستمدا شرعيته من الدعم الشعبي الذي حصل عليه في الجنوب، وطرح نفسه كبديل للسلطة الشرعية الفاسدة .. لكن بعد سنوات من المواجهات السياسية والعسكرية، انتهى الأمر بالانتقالي ليكون جزءًا من الحكومة نفسها، متخليًا عن دوره كمعارضة مستقلة.

في عام 2020، وقع الانتقالي اتفاق الرياض مع الحكومة اليمنية، والذي كان بمثابة الخطوة الأولى نحو دمجه في السلطة، ثم جاءت المرحلة الأهم عندما تم تشكيل المجلس الرئاسي في أبريل 2022، حيث أصبح للانتقالي تمثيل رسمي في قيادة الدولة، مما أضعف موقفه كمعارضة وأدخله في دوامة الحسابات السياسية والمصالح الضيقة.

المعارضة الحقيقية لا تقتصر على الانتقاد اللفظي، بل تمارس دورًا رقابيًا حقيقيًا، وتفضح الفساد وتضغط لإصلاح النظام، لكن منذ أن أصبح المجلس الانتقالي جزءًا من السلطة، بات عاجزًا عن ممارسة هذا الدور، لأن أي انتقاد للفساد الحكومي سيكون بمثابة اعتراف ضمني بتورطه فيه ..

فبدلًا من أن يكون الانتقالي صوتًا للشارع الجنوبي، وجد نفسه متورطًا في صفقات سياسية وتقاسم مناصب وموارد، مما جعله شريكًا في المشاكل بدلًا من أن يكون جزءًا من الحل .. وعلى سبيل المثال، لم نشهد أي إجراءات جادة من المجلس للحد من الفساد في الوزارات أو المؤسسات التي يسيطر عليها مسؤولوه، بل على العكس، انتشرت قضايا الفساد الحكومي بشكل أوسع مع تضاؤل الشفافية والمساءلة.

لا يمكن تجاهل التناقض في خطاب المجلس الانتقالي، حيث ما زال يرفع شعارات الاستقلال والجنوب، في الوقت الذي يشارك فيه في حكومة يمنية موحدة، ومتورط بالفساد معها، هذا التناقض خلق حالة من الإحباط بين أنصاره، الذين كانوا يرون فيه أملًا للخلاص من الفساد وسوء الإدارة، لكن الواقع كشف أن المجلس لم يكن بعيدًا عن أساليب السلطة التي انتقدها، بل أصبح جزءًا من منظومة الفساد نفسها.

إن دخول المجلس الانتقالي الجنوبي في الحكومة كان تحولًا جذريًا في مسيرته، لكنه لم يكن لصالح القضية التي تبناها منذ تأسيسه، فبدلًا من أن يكون قوة رقابية إصلاحية، أصبح جزءًا من المشكلة، مما أفقده المصداقية التي اكتسبها في بداياته، وبينما كان يُنظر إليه يومًا ما كبديل سياسي، أصبح الآن مجرد فصيل آخر في مشهد سياسي يعاني من الفساد وانعدام الرؤية.