آخر تحديث :الخميس-02 يوليو 2026-10:16م

النفاق الوظيفي .. الداء الخبيث

السبت - 27 يوليو 2024 - الساعة 06:36 ص
بسام عوض عمر بن حازب


عندما توظِّف شخصا ما، فمن المفترض انه تم تُعيِّنه لأداء مهمة ما مقابل مبلغ مالي. لكن البعض يعتقد أن مسؤولية الموظف من التاسعة صباحا حتى الخامسة مساء لا تتمحور حول العمل فقط، وإنما حول المظاهر والبعسسه في العمل ودرجات النفاق المريح للمديرين بمستوياتهم كافة، ومن هنا تنمو ثقافات العمل المسيئة والاستغلالية، ولا يصبح تفوُّق الموظف مُتعلِّقا فقط بإنجازه، ويتحوَّل الموظفون إلى منافق .

هناك الكثير من الموظفين في مختلف الدوائر الحكومية والخاصة والذين يمكن ان نصنفهم على حسب نتائجهم فمنهم المعروفون بالعمل الجاد والمخلص ومنهم الموظف المهمل والكسول والذي امتلأ ملفه بالخصومات ولفت النظر ومنهم الذي تقاعد وخرج من عمله دون حتى أدنى أثر أو بصمة في عمله وهناك نوع آخر من الموظفين تراهم مشهورين ومن أصحاب السلطة مقربين وأكاد أجزم بأنه لا يخلو أي قطاع عام أو خاص منهم وهم الأشخاص المتملقون والذين يصعدون على أكتاف غيرهم.

فهذا الموظف المتملق أو لنَقُلها بصراحة ( المنافق ) فهو يختفي تحت قناع الأسلوب المهذب واللطيف والمرح مع الآخرين وهو من وراء الأبواب يحيك الدسائس والمؤامرات والفتن سواء بين الموظفين بعضهم ببعض أو بينهم وبين مديرهم في العمل. وفي نفس الوقت يتظاهر بالطيبة وبمحاولة إصلاح الأمور (ما قام بتخريبه سابقاً) وكل هذا لأجل كسب رضاء المدير وتمتعه بما يتبع ذلك من مميزات (ترقية، مديح وثناء، وقربة وصحبة مع المدير، ومكافآت... الخ). فترى هذا المنافق سريع الحركة متربصاً بضحية يبحث عنها في كل موقف وكل لفتة فهو يدخل على مديره كل دقيقة يخبره بكل شاردة وواردة وما تتضمنه هذه الدقيقة من سب وشتم لغيره من الموظفين تارة وبأن الموظف الفلاني لا يعمل وإنما جالس فقط وكل ذلك لأن هذا الموظف المسكين لا يحسن التعبير والتملق أمام المدير عن عمله على الرغم من امتلاكه كل المهارات الجيدة في عمله والذي يشهد بها أداؤه الوظيفي وتارة يتحدث هذا المنافق الوصولي عن عمل موظف آخر وبأنه غبي ولا يحسن أداء عمله ولابد له من تقويم وكأن هذا المتخلف المنافق والذي أصبح بقدرة قادر عالماً في جميع التخصصات، بل متميزاً بها أكثر من أصحابها بل ويوضح لمديره بأنهم لا يفقهون شيئاً وأنه الوحيد الذي كشف هذا العيب والتقصير، بل ويقوم بنفسه بتقويمهم ويتدخل بكل شيء وبشكل ساذج ومضحك يميزه ويفهمه كل صاحب خبرة وعلم وضمير.

بالطبع سيناريو هذا المنافق لم ينته عند هذا الحد وعند هذه الصلاحيات، فترى هذا المنافق يروي القصص الطوال في النميمة والغيبة ولا ينسى الإضافات وذكر عيوب الآخرين وليس هذا فقط بل يتتبع عوراتهم وعيوبهم ويبحث عنها بل وربما يوظف أشخاصاً لحسابه الخاص لمتابعة هذه العيوب والبحث عنها، يا لهذا الشخص المريض المسكين!! ألم يعلم أنه من يتتبع عورات الناس (يجازى من جنس عمله) يأتي من يتتبع عوراته ويفضحه بها عاجلاً أم آجلاً ولو كان في عقر داره. بينما أعمال الخير لا نجد لها ذكراً في قاموسه ولا حتى يشير إليها أمام رئيسه في العمل، ونجد هذا الشخص المريض يموت قهراً وغلاً عندما يرى غيره محبوباً ومقداماً ويقوم بأداء الأعمال الخيرية تطوعاً و حباً وبدون مقابل وربما من جيبه الخاص فنراه يحسده ويحقد عليه في نفس الوقت لأنه فشل في أن يعمل هذه الأعمال الخيرية والتطوعية ولذلك نراه يدس له الدسائس ويحيك له القصص والمكائد لتشويه صورته أمام مديره وكل ذلك لكي يوقفه عن عمل الخير فسبحان الله لهذه النفس الشقية، لا يريد ان يعمل الخير (مناع للخير معتد أثيم)، ولا يريد لغيره أن يعمله (لا يرحم ولا يخلي رحمة ربي تنزل).

فكم منافقاً يا ترى لدينا في كل دائرة حكومية وخاصة من وزارات ومستشفيات ومراكز ومدارس...؟

أمر آخر يبدو مهماً في مؤسساتنا من جراء النفاق الوظيفي؛ وهو ارتباط الأداء الإنتاجي بفكرة (show)؛ فالبعض يتحايل على ضعف كفاءته بحرص مبالغ فيه على أناقته أو بإظهار حبه المبالغ لمديره، أو الظهور أمام رئيسه بمظهر الموظف المجد الذي يعمل ليل نهار، وهنا يصبح العمل مجرد مبانٍ لا معانٍ؛ فالكل يعمل لأجل الشكل لا المضمون الذي غاب عن أداء الموظفين العرب.

ونظراً لأن العمل الشكلي هو النتاج الحقيقي للنفاق تظهر عناصر الاستخبارات داخل كل مؤسسة إدارية تسعى لمعرفة مَنْ مع المدير ومن ضده؛ لأن منطق الولاء هو الذي يحكم الموقف وليس الكفاءة، كما تتحول تلك العناصر إلى لوبي قوي يلعب دوراً مهماً في قرار مدير الشركة باستبعاد من لا يدينون له بالولاء للمؤسسة، وهذا يساعد على تعطيل الإنتاج وعدم تقدم المجتمع، ومحاربة الموظفين الناجحين أصحاب الكفاءة.

ولأن الموظف المنافق هو شخص غير منظور؛ لذا فإن مكافحته تتطلب من مؤسسات الأعمال بالتوقف ملياً أمام تطبيق قواعد الشفافية والمحاسبة والعدالة والديمقراطية في اتخاذ القرار؛ فما ظهر نفاق وظيفي إلا في بيئة افتقدت لهذه القواعد قواعد العمل المؤسسي.

وأخيراً.. اللهم طهر قلوبنا من النفاق ، واعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة.. فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي