واحدة من المقابلات الإذاعية التي افتخر بها تلك جمعتني بالفنان الراحل كرامة مرسال، فقد كنت المحظوظ من أبناء جيلي الإعلامي الذي حظي بإجراء حوار مطوّل مع صوت حضرموت وبلبل الوطن الأسمر.
حين قدمت إلى المكلا في سبتمبر 2013م قادما من صنعاء بدأت بعمل تقارير اذاعية مختلفة لإذاعة المكلا بصورة تطوعية، ويبدو أنها لقيت استحسان مدير الإذاعة حينها الأستاذ علي صالح باقي، الذي فاجأني بإتصال ذات مرة يثني على تقاريري تلك ويطلب مني زيارة لمكتبه في الإذاعة.
شعرت بفرحة غامرة حينها، خصوصا انني اسمع عن المدير العام للإذاعة ولم التقي به من قبل، وبالفعل زرته في صباح اليوم التالي فرحّب بي واخبرني أن قدراتي اكبر من أن تقف عند التقارير فحسب، وعرض علي تقديم برنامج عيدي يستضيف نخبة من الفنانين الشباب في ساحل حضرموت،
قلت له أريد إجراء مقابلة مع الفنان الكبير كرامة مرسال، ابتسم وتعجب من طلبي، وقال (مرسال فنان كبير، اذا قدرت توصل له وتقنعه يطلع معك يكون انجاز يحسب لك، وانا بعطيك رقمه وتواصل معه وشفه ايش يقول).
خرجت من الإذاعة مسرعا وقمت بالاتصال على رقم الفنان الكبير وانا في دَرج الإذاعة، لكن للأسف كان الرقم مغلق أو خارج التغطية.
كنت أعاود الاتصال كل ساعة بشكل لا ارادي وانا بين الخوف والرجاء من فوات تلك الفرصة المغرية لشاب يشق طريقه الإعلامي ويضع خطواته الأولى في عالم الإذاعة والتلفزيون.
بعد صلاة العشاء عاودت الإتصال للمرة العشرين !
كان جواله متاحا هذه المرة، فدقت نبضات قلبي مع دقات هاتفه.. ارجوك رد ياعم كرامة.. ارجووك ارجووك..
وفجأة يجيب بصوته المبحوح الووو مساء الخير.
كان الفنان الكبير أبسط مما كنت اتصور، عفويا ومتواضعا، مثقفا بالحد الكافي، مرهف الإحساس وصاحب حضور ظريف.
حين عرّفت بنفسي وأني من اذاعة المكلا قال لي بكل صراحة (بس ما قد سمعتك في الإذاعة).. أخبرته بأني وافد جديد وخرّيج جديد يطمع في الوصول إلى المستمعين عبر هذا اللقاء التأريخي بالنسبة لي مع بو صبري.
اعجب بالفكرة وحددنا موعد لتسجيل اللقاء في بيته.
في الليلة الموعودة ذهبت مع العزيز Omer Aqil الذي كان يرافقني رحلة برنامجي الإذاعي الأول، استقبلنا ابو صبري في بيته في منطقة المساكن، يتناول الباخمري مع شاهي الحليب ويشعل سجارته (البالمان)، اخبرني انها عادته اليومية بعد صلاة المغرب.
استعرض معي مجموعة من الشهادات والدروع التقديرية التي حصل عليها، وابرز مشاركاته في الكويت قبل عدن، وغيرها من المدن اليمنية والعربية.
ما اتذكره من تلك المقابلة التي كانت في اكتوبر 2013م حين سألته فيها كيف يقضي يومه؟ انه قال كان يقوم من نومه قبل الفجر بساعة يتوضا ويصلي ركعتين ثم يقرأ جزء من القرآن حتى أذان الفجر، يصلي ويجلس يذكر الله حتى تشرق الشمس، فقد ظل مطلع جوابه هذا ماثلا في ذهني
تحدث عن اغاني زمان وما تحمله من كلمات والحان والفرق بينها وبين اغاني العصر الحديث، التي شبهها بالسندوتشات وأكلات التيك اوي.
اخبرته عن النكات والطرائف التي يتبادلها الناس عنه، قال أن جزء كبير منها غير واقعي، وانما ينسجها الناس عنه من باب المحبة والفكاهة،
تحدث عن بداياته ومواقف من حياته، وتقدم بمجموعة من النصائح للفنانين الشباب.
كان لقاء عفوي وشيّق استمر لنحو 50 دقيقة، وسيتمر حضوره في ذاكرتي دائما وأبدا، فقد كان من المؤسف والمؤلم بالنسبة لي، حين علمت أن تلك المقابلة كانت ضمن الإرشيف الذي تم حرقه اثناء اقتحام تنظيم القاعدة لإذاعة المكلا، وكم خنقتني العبرة حين سمعت ذلك الخبر، لكني ارجوا أن أجدها في أرشيفي الخاص بإذن الله.
رحمك الله يا أبا صبري
الإنسان والفنان.. ومصدر الإلهام.