في أكتوبر - تشرين الأول عام 1911م ، تم توقيع اتفاقية صلح دعان بين الإمام يحيى حميد الدين وبين ممثل الدولة العثمانية ، وتضمن الاتفاق 20 بنداً ، ولعل البند الأبرز والأهم هو البند الأول الذي ينص على أن الدولة العثمانية تعترف بالإمام يحيى حاكماً ( للمذهب الزيدي ) في شمال اليمن ، مع العلم أن جغرافيا واسعة في شمال اليمن تُحسب ضمنياً على المذهب الشافعي وكذلك المذهب الحنفي .
من خلال ذلك يتكشّف لنا أن الإمام يحيى بن حميدالدين كانت تكتنفه عقلية وروح الإمام المذهبي ، لا عقلية وروح الحاكم الوطني ، من منطلق قبوله ممثلاً للطائفة الزيدية لا ممثلاً لكل المواطنين في شمال اليمن من زيود وشافعية وحنفية .
حين هُزمت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى ، تولى الإمام يحيى رسمياً حكم شمال اليمن عام 1918م ، وغيّر اسم الدولة اليمنية إلى اسم المملكة المتوكيلة ، وقد بدأ الإمام يحيى متحمّساً لفكرة تحرير الجنوب من الاستعمار البريطاني ، وعلى الرغم من جمالية الفكرة نفسها ، إلا أن الإمام يحيى لم يكن أهلاً لذلك ، إذ كان يفتقر لمّا يؤهله في العمل على تبطيق الفكرة على الواقع ، فهو لم يكن وطنياً ولا قومياً ولا تحررياً ، لهذا سرعان ماتخلى عن فكرة تحرير الجنوب من المستعمر البريطاني ، وقال كلمته المشهورة: ( بلادي إلى حيث يسقط المطر ) وهنا يكون ابن حميد الدين قد آثر السبولة والعِرناس ( جباية المزارعين ) على الجنوب وما يحويه من شعب ومساحة وبحار وسهول .
على مدى أكثر من ألف عام ، اكتفى معظم الأئمة الزيديين بحكم المناطق الزيدية ، فيما كانت المناطق الشافعية الوسطى والجنوبية تحتّكم لدول أخرى بينها الرسولية والطاهرية ، بمعنى أن الأئمة الزيديين ليس من أولويات اهتمامهم حكم أكبر مساحة جغرافية أو أكبر عدد من السكان ، بقدر مايهمهم التقوقع في مناطق يُقدّس سكانها أئمتهم ويرون في شخوصهم أولياء منزّهين من الأخطاء والعيوب ، لا يكتمل الإيمان إلا بطاعتهم وموالاتهم وحبهم وبرهنة هذا الحب ببذل النفس والولد لأجلهم .
لهذا فأن كل إمام زيدي ، هو في الواقع شخص مجرد من الشعور الوطني ، ويرى في اليمن مجرد مقاطعة للفيد والتكسّب وأبنائها عبيد وخدّام .
في المرحلة الراهنة ، وبعد ثمان سنوات من الانقلاب على الدولة الشرعية في اليمن ، نرى أن الجنوب قريب من استعادة دولته الجنوبية ، لكن ما لا يلحظه الكثير هو أن الحوثيين أقرب إلى استعادة دولتهم القائمة على النفَس الإمامي والمذهبي .
يعتقد أبناء الشمال اليمني أن الجنوبيين هم مجتمع انفصالي، غير مدركين أن الحوثيين في الحقيقة يسبقون أبناء الجنوب بعشر خطوات في رسم وتحقيق الانفصال على الواقع ، وإلا فماذا يعني قطع الطرقات الرابطة بين الشمال والجنوب؟ ماذا يعني منع تداول العملة من الطبعة الجديدة ؟ ماذا يعني فرض رسوم جُمركيّة ؟ ماذا يعني حظر البضائع القادمة من ميناء عدن ، وحصرها في ميناء الحديدة ؟ ماذا يعني تغيير المناهج الدراسية ؟ ماذا يعني اهتمامهم الكبير بمناسباتهم الدينية والمذهبية وتفضيلها حتى على المناسبات الوطنية ؟ ثم يبقى سؤال ، هل يوجد جنوبي واحد أو شافعي عضواً في المكتب السياسي لجماعة الحوثي ؟
إن الحوثيين اليوم تحرّكهم الغريزة المذهبية أكثر من أي شيء أخر ، لهذا هم يرون في الجنوب جغرافيا مختلفة ومُرهقة ومعقّدة بالنسبة لهم ، لكونها جغرافيا تحوي أغلبية سنيّة شافعية لايؤمن أهلها بفكرة الولاية ، وهذا يجعل الحوثيون يتخلون ببساطة عن فكرة وحدة اليمن ، وسيذهبون في استكمال فصل الشمال على أساس مذهبي ، حتى وأن تطلب الأمر التخلي أيضاً عن تعز وأخواتها من المناطق الشافعية ، لأن الوطن الذي يريده الحوثيين هو ذاك الوطن المُتشبع بعقيدة المذهب الهادوي الذي تنمو فيه بذرة الولاية وطاعة الفرد الواحد وتقدّيس السِلالة.