اثبتت التجارب السياسية المتاعقبة على مدى قرن من الزمن ، أن مشكلة اليمنيين الرئيسية تتمثل في غياب الدولة الوطنية الفاعلة ، ونقصد هنا بالدولة الوطنية ، أي تلك الدولة التي تُمثل المجتمع اليمني بكل مافيه من تنوع ديني ومذهبي وثقافي واجتماعي ، وتصون حريته وكرامته ، وتضع جميع أبناء الوطن في درجة واحدة من العدالة والمساواة ، وتعمل بإخلاص في تحقيق رفاهية الشعب وتطوره وازدهاره في شتى مجالات الحياة .
منذ مائة عام ، ظلت سلطة الحكم في الوطن اليمني مُحتكرة في جزء معين من جغرافيا الوطن ، ومازالت حتى اليوم كذلك ، وأن تغيّرت المراحل مابين ملكية وجمهورية ، إلا أن سلطة الحكم تظل حبيسة الجغرافيا ذاتها ، تتراوح مابين الهاشمية الزيدية والقبيلة الزيدية ، لايوجد اختلاف سوى في وضعية الجنبية على الخاصرة .
ومما لا شك فيه أن أبناء ومسؤولي الجغرافيا الحاكمة على مدى قرن كامل ، قد فشلوا فشل ذريع في بناء دولة وطنية فاعلة وجامعة تقبل أبناء اليمن ويقبلون بها ، تحترمهم ويحترمونها ، ولا بد على هؤلاء أن يعتّرفوا أنهم حقاً فشلوا ، ويعتذروا للوطن وأبنائه على كل تلك السنوات الطويلة التي ذهبت في مهب الريح ولم يذق فيها المواطن اليمني طعم السعادة .
منذ عام 2015م ، اندلعت حرب عبثية أخرى لم يكن اليمنيين بحاجة لها مطلقاً ، وهذه الحرب قد أحدثت مُتغيرات كبيرة على رقعة الجغرافيا اليمنية ، من الصعب التقليل بشأنها أو تجاهلها ، إذ أصبح الجنوب اليوم قوياً وقوياً فعلاً ، القرار الأول فيه لأبنائه ، يستطيع الجنوب اليوم فرض الخيارات التي يريدها أو يُراها مناسبة ، بمعنى أدق لا أحد بمقدوره اليوم أن يجّر الجنوب إلى باب اليمن بالإكراه أو القوة .
وهناك في شمال اليمن أو ما يعرف بـ (الهضبة) ، قوة أخرى تتمثل في جماعة الحوثي ، التي تمكنت بعد 8 سنوات من فرض وجودها أمام الإقليم والعالم ، وتُحسب هذه الجماعة تاريخياً ضمن الجغرافيا الحاكمة والمهيمنة على اليمن بشكل عام .
وفي الشرق توجد حضرموت والمهرة تبحثان عن توازن ندّي وحقيقي إما على مستوى الجنوب كدولة مستقلة ، أو على مستوى اليمن كدولة اتحادية فيدرالية .
كل هذه التوازنات الجغرافية أصبحت اليوم مهمة وضرورية بل وحتمية ، لأنها ستخلُق شراكة نديّة لأي عملية سياسية وطنية قادمة ، طالما فشلت النُخب الحاكمة شمالاً طيلة عشرة عقود في إيجاد شراكة وطنية طوعية تمثل اليمنيين كل اليمنيين وتشبه تنوعهم وتجانسهم .
ويبقى الوسط اليمني الشافعي هو اليوم المفقود والفاقد لمكانته وقيمته الوطنية ، على رغم أهميته الكبيرة كوسط الثروة البشرية والعقل والمال والتجارة ، الوسط الذي تكتنف أبنائه الروح الوطنية الصادقة ، وبمقدوره أن يكون بيضة الميزان لكل اليمن .