بينما أخلد الناس إلى النوم بعد أن رسموا معالم اليوم الجديد ضمنوها آمالهم ، وأحلامهم ، وأشواقهم ، وتطلعاتهم ... مترقبين بزوق الفجر ، منتظرين سطوع النور ، متأهبين لرؤية خيوط الشمس .. بينما هم كذلك حلت بهم الكارثة فإذا بكل تلك الأحلام تتبخر ، وبكل تلك الآمال تتحطم وإذا بهم في عالم آخر ، وفي وضع آخر ، وفي حالة أخرى..
وكثيراً منهم لم يفقد تلك الأحلام وحسب ، وإنما فقد حياته ، وودع الدنيا بجملتها ،،،
كهذا في لمح البصر حصل كل ذلك ، وفي ثوانٍ معدودات تغير كل شئ ،،،
فرحماك رحماك رباه ،،،
فهل ياترى مثل هذه الحوادث العنيفة ظواهر طبيعي ، أم رسائل ربانية ؟
والصواب أنه لم يحدث شيء في الأرض ولا في السماء مصادفة ، ولا خبط عشواء ...وإنما يحدث وفقاً لسنن إلهية ، وَحِكَمٍ ربانية ، ورسائل سماوية ،،
قال ربنا سبحانه ( وكل شئ عنده بمقدار )
بمعنى أنَّ كل شيء يحدث في الكون بقدر ،،
ذلك أنه من طبيعة البشر أنهم غير مبالين بالنعم التي يتمتعون بها في هذه الحياة لأنهم ألفوها ، وأصبحت جزءاً من حياتهم اليومية ، وروتينهم المعتاد ،،،
فهم لم يعودوا يشعرون بقيمتها ، ولايقدرون ثمنها ، ولا يبالون بعظمتها..لهذا تأتي مثل هذه الرسائل كي تُوقِظ النائمين ، وتنبه الشاردين ، وتزيل الركام الحائل بين الإنسان وربه ،،،
ومن هذه الرسائل الربانية رسالة الزلازل ...
ذلك الشبح الصامت ،،،
ويا لله..
ما أعظمها من رسالة لقوم يُوقنون !!
أرأيتم الأرض ؟
تلك البسيطة المذللة ، المهيئة ، الهيَّنة ، اللينة
لحياة البشر ...وهم يمشون في مناكبها بأمان ، وسلام ، واطمئنان ، ويأكلون من ثمرها ، وتمتعون بخيراتها ، ويمارسون نشاطهم اليومي بأريحية وسهولة ،،،
هذه الحالة التي وصفها ربنا سبحانه فقال :
( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً )
والأرض الذلول كانت تعني في أذهان المخاطبين القدامى ، هذه الأرض المذللة للسير فيها بالقدم وعلى الدابة ، وبالفلك التي تمخر البحار .
وربنا هنا يصف استقرار الأرض للإنسان كأنما هي دابة مذللة ،،
ووجه الشبه بينهما هي الحركة ...
فالأرض هذه التي نراها ثابتة مستقرة ساكنة ، هي دابة متحركة . . بل رامحة راكضة مهطعة في بعض الأحيان ...
،وهي في الوقت ذاته ذلول لا تلقي براكبها على ظهرها ، ولا تتعثر خطاها ، ولا تخضه وتهزه وترهقه كالدابة غير الذلول ! ثم هي دابة حلوب مثلما هي ذلول !
مع أنَّ هذه الدابة التي نركبها تدور حول نفسها بسرعة ألف ميل في الساعة ، ثم تدور مع هذا حول الشمس بسرعة حوالي خمسة وستين ألف ميل في الساعة ، ثم تركض هي والشمس والمجموعة الشمسية كلها بمعدل عشرين ألف ميل في الساعة ، ومع هذا الركض كله يبقى الإنسان على ظهرها آمنا مستريحا مطمئنا معافى لا تتمزق أوصاله ، ولا تتناثر أشلاؤه ، بل لا يرتج مخه ولا يدوخ ، ولا يقع مرة عن ظهر هذه الدابة الذلول !!!
أرأيتم هذه الدابة المذللة _ رُغم سرعة حركتها _ أرأيتم كم هي مهيئة لاستقرار الإنسان على ظهرها ....
لكنها في ثوان معدودات قد ترفس هذا الإنسان رفسة عنيفة فإذا هي تمور كأنما هي أمواج بحار متلاطمة ، تقذف بمن هو على ظهرها ، وتبتلع ما شيَّد على وجهها ، وتلتهم كل ما عمٌَر على سطحها في منظر تنخلع له القلوب ، وتتفطر له النفوس !!
كيف لا ونحن نرى المباني الشاهقة الضخمة.. كأنها هباءة تطير في الفضاء !!
فيا لرحمة الله ،،،
أليست تلك أية بحاجة إلى أن نتوقف معها طويلاً طويلاً؟؟!!
بلى...
لكنها البلادة الإيمانية ،،،
تلك البلادة ، التي تحجب العقل أن يتفكر في تلك النعم العظيمة التي يتمتع بها الإنسان في حياته .
فيا للعجب !!!
أوليست تلك الحادثة التي حصلت في تركيا وسوريا _ والتي لا تزال أصداؤها تتردد على مسامعنا حتى هذه اللحظة _ كفيلة بأن تزيل تلك القشرة التي رانت على القلوب ، فحجبت نور الإيمان أن يتسلل إليها ؟
ألا تكفي هذه الكوارث أن تهز النفوس ، وتزلل الأفئدة ، وتثير مشاعر الخوف من الجبار المنتقم سبحانه ؟
في فترة لا تتجاوز ( ٤٠) ثانية دمر هذا الزلزال ما شيده الإنسان في عقود من الزمن ، وذهب ضحيته عشرات الآلاف من الناس ، ودُمَّررت البنى التحتية ، والخدمات العامة!!!
كل ذلك حصل نتيجة رفسة بسيطة من تلك الدابة المذللة ...
فكيف بها إذا طال رفسها ، واستمر جموحها ؟
فهلَّا تفكرنا لحظة واحدة في هذه النعمة العظيمة التي نتمتع بها على ظهر هذه الدابة المذللة ...فنتجنب غضب المنتقم حينما نؤذيه بارتكاب الجرائم ، والآثام ، والشرور ، والمعاصي ؟
ذلك أنَّ الله يُغار ..
وغيرته أن تُنتهك محارمه .
فإذا انتهك الإنسان محارم ربه ، وتجاوز الحد في ارتكاب الجرائم ...هنا تتدخل المشيئة الإلهية ، لردع ذلك المتمرد . .فتكون مثل هذه الزلزال بمثابة تأديب ، وتنبيه ..
هذا ما أكده ربنا سبحانه وتعالى فقال:
( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور ؟ أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا ؟ فستعلمون كيف نذير ! ولقد كذب الذين من قبلهم . فكيف كان نكير ؟) . .
هكذا يذكر القرآن البشر الذين يخدعهم سكون الدابة وسلامة مقادتها ، ويغريهم الأمان بنسيان خالقها ومروضها . يذكرهم بهذه الجمحات التي لا يملكون من أمرها شيئا . والأرض الثابتة تحت أقدامهم ترتج وتمور ، وتقذف بالحمم وتفور . والريح الرخاء من حولهم تتحول إلى إعصار حاصب لا تقف له قوة في الأرض من صنع البشر ، ولا تصده عن التدمير . . يحذرهم وينذرهم في تهديد يرج الأعصاب ويخلخل المفاصل .
( فستعلمون كيف نذير ) ! ! !
فرحماك ربنا فإنك بنا راحم،،
ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ،،
والطف بنا فيما جرت به المقادير