لا شئ يأتي من فراغ . وما نعيشه في حاضرنا هو غالبا إمتداد لما قمنا به في الماضي .
تريدون أن تعرفوا لماذا تحولت مايفترض انها عاصمة الى قرية ميؤوس من إعادة رونقها المدني القديم ؟ أم تريدون معرفة لماذا كان ومازال بلد متنوع الترواث فقيرا ومضطربا لعقود طويلة من الزمن ؟ أو لعلكم تريدون معرفة لماذا لم تتوقف هجرة شعب قليل العدد نسبيا الى كل بقاع العالم تاركا خلفه بلدا توقف عن التطور . واصبح مجرد ساحة صراعات لا تنتهي ؟
إن كنتم تعتقدون أن خطوة توجه الجنوب نحو الوحدة مع الشمال كانت الخطوة المتهورة الوحيدة التي اضرت بعدن بشكل خاص وبقية مناطق الجنوب ، فأليكم لمحة سريعة عن خطوات سابقة لا تقل تهورا عن خطوة الوحدة مع الشمال .
في 1968 أصدر الحكام الجدد انذاك قانون بأنهاء خدمات كل الكفاءات المتخصصة ، والذين كانوا يشكلون عصب الجهاز الإداري والمالي في عدن . وحل محلهم حملة سلاح وثوار ومناضلين .. وكانت هذه الخطوة الاولى من سلسلة خطوات متتالية قادت إلى إطفاء وهج وأحدة من أكثر المدن العربية تطورا وإزدهارا .
في نفس العام ايضا صدر قانون بتخفيض رواتب موظفي الدولة والجهاز الامني والعسكري . وسيقت المسيرات التي تهتف بشعار " واجب علينا وأجب تخفيض الرواتب " هذه الخطوة شكلت بالمعنى الحرفي للكلمات سابقة غريبة لم يشهدها اي بلد اخر في العالم ، ولم يتظاهر لأجلها أي شعب على وجه الأرض .
ومنذ ذلك الوقت لم تتعافى رواتب موظفي القطاع العام ، ولم نرى حتى مسيرة او تظاهرة واحدة تطالب برفع الرواتب . إنه أرث التعايش مع الأمر الواقع مهما كان سيئا . او الهروب منه .
واذا كان من لا يتظاهر من أجل رفع راتبه الضئيل لعقود طويلة ، فكيف سيتظاهر ضد البسط والبناء العشوائي الذي جعل من مدينته أكثر مدن العالم تشوها . كانت مئات التظاهرات والمسيرات التي خرجت في السابق تسخر فقط لرفع شعارات التاييد والتضامن . أومن أجل فك الارتباط مع الشمال . وكان كل شئ أخر على مايرام .
في الأعوام 1969 حتى 1972 صدرت مجموعة قوانين أدت جميعها لنتيجة وأحدة .. وأحدة فقط .. تخلف إقتصادي ساحق ، وهروب الكفاءات وإلى الأبد .
تم تأميم القطاع الخاص المحلي والاجنبي ، وشركات تجارية ، بنوك ، معامل ، مصانع ، فنادق ، دور سينما ، عيادات طبية ، أبنية سكنية وتجارية .. وحتى سكن مواطنين .. نعم حتى مساكن المواطنين لم تسلم من حمى التأميم .. تتعجبون لماذا يحدث اليوم كل هذا البسط على الاراضي في عدن ، ونهب ممتلكات الدولة والمواطنين ؟ إنه سلوك قديم ، ولكن تم احياءه تحت شعارات جديدة .
لم تكن الكفاءات المدنية المختصة هي من يدير شؤون العاصمة عدن والمحافظات الجنوبية بعد الاستقلال ، وقبل الوحدة . ولكن مناضلين . فهل عرفتم الان لماذا إستقرت وتطورت الدول المجاورة ، وتخلف الجنوب بعد الاستقلال من المحتل الاجنبي ، وقبل التوحد مع أبناء العمومة ؟
القرارات المتهورة لما عرف حينها بالجبهة القومية حسمت صراعاتها مع القوى المنافسة لها، لكن ماذا كانت النتيجة ؟ انتقلت إليها الصراعات بعد ذلك وانحصرت بداخلها وظلت تكبر وتتعقد عاما بعد أخر ، إلى أن رمت بالبلاد والعباد بخطوة متهورة أخرى مازالت ضريبتها القاسية تدفع حتى اليوم .
أكتوبر/تشرين الأول 1978 اتخذ قرار أخر متهور وهو تاسيس حزب اشتراكي بمرجعية ماركسية لينينية في بلد تعود أصول القبائل فيه إلى بداية التاريخ البشري . وفتح باب الجنوب على مصراعيه للاتحاد السوفيتي . وحينما أنهار الاتحاد السوفيتي ، نجح البسكويت والعصائر بإغراء الجنوبيين بالوحدة مع الشمال .
غزا الانجليز عدن من البحر قبل أكثر من قرن ونصف . ومنذ ذلك الوقت لم تتعرض عدن لأي غزو بحري . قال أحد الموظفين الانجليز الذين قضوا سنوات طويلة في عدن ، قال لصديقه العدني أثناء وداعه : أنا اخشى على عدن من برها وليس من بحرها . ولم يفهم الصديق حينها المغزى من هذه العبارة . لكن السنوات اللاحقة فسرت هذه العبارة بوضوح كامل .. فكل الانقلابات العسكرية ، وكل الزحف القبلي والمناطقي وكل التهيدات التي تعرضت لها عدن بعد ذلك كان مصدرها البر وليس البحر .. الوحدة فرضت بالقوة عبر البر ، الجماعات الارهابية تنشط في البر ، الحوثيون لم يغزوا عدن من البحر . كل الصراعات القديمة والجديدة على الحكم كان مددها ياتي من البر ، وأي صراع مستقبلي سيتم دعمه بالزحف من البر . إنها ساحة أزلية لصراعات برية وليست بحرية .
تحميل الوحدة فقط نكبة عدن والجنوب هي شماعة . أو حق يراد من وراءه تحقيق أهداف أقلية ضد أغلبية . فقرار الوحدة ليس هو القرار المتهور الوحيد الذي أضر بالجنوب . والخلاصة ، الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديقراطية الشعبية كانتا قنبلتين كبيرتين على وشك الانفجار في أي لحظة أكثر من كونهما بلدين متجاورين . فلا تتعجبوا مما ترونه اليوم . إنه ببساطة حصاد الأمس .
بالامكان تقبل فكرة أن من يحملون السلاح بوجود شبه دولة هم من يحددون مصير بلد خلال الحرب . لكن أن يحدث ذلك في السلم ايضا ، فهذا مايجعل أي بلد وأي أمة تستمر ساحة للصراعات، ومكانا يسهل فيه التدخل وإنتشار الفوضى والتخلف . والتاريخ ملئ بالعبر .. فهناك من انتصر بمعارك القتال ، لكنه فشل بمنع بلد كامل من الانهيار .
والمشكلة ليست في خطوات متهورة إتخذها الاسلاف في الماضي ، ولكن في الدفاع عنها اليوم ومحاولة استنساخها للمستقبل .