آخر تحديث :الإثنين-29 يونيو 2026-10:27م

الوحدة ليست قرار الجنوبيين الوحيد المتهور .

السبت - 24 ديسمبر 2022 - الساعة 03:13 م
وديع منصور


لا شئ يأتي من فراغ . وما نعيشه في حاضرنا هو غالبا  إمتداد  لما قمنا به في الماضي .

تريدون أن تعرفوا لماذا تحولت مايفترض انها عاصمة  الى قرية ميؤوس من إعادة رونقها المدني القديم ؟ أم تريدون معرفة لماذا  كان ومازال بلد  متنوع الترواث  فقيرا ومضطربا  لعقود طويلة من الزمن ؟  أو لعلكم تريدون معرفة لماذا لم تتوقف هجرة شعب قليل العدد نسبيا الى كل بقاع العالم تاركا خلفه بلدا توقف عن التطور . واصبح مجرد ساحة صراعات لا تنتهي ؟ 
إن كنتم تعتقدون أن خطوة توجه الجنوب نحو  الوحدة مع الشمال  كانت الخطوة  المتهورة  الوحيدة  التي  اضرت   بعدن بشكل خاص وبقية مناطق الجنوب  ،  فأليكم لمحة سريعة عن خطوات  سابقة لا تقل تهورا عن خطوة الوحدة مع الشمال  .

في  1968 أصدر الحكام الجدد انذاك  قانون بأنهاء  خدمات  كل  الكفاءات المتخصصة ، والذين كانوا يشكلون عصب الجهاز الإداري والمالي  في عدن . وحل محلهم حملة سلاح  وثوار  ومناضلين .. وكانت هذه الخطوة الاولى  من سلسلة خطوات متتالية قادت إلى إطفاء وهج وأحدة من أكثر المدن العربية تطورا وإزدهارا . 
في نفس العام ايضا صدر قانون بتخفيض  رواتب موظفي الدولة والجهاز الامني والعسكري . وسيقت المسيرات التي تهتف بشعار " واجب علينا وأجب تخفيض الرواتب "  هذه الخطوة شكلت بالمعنى الحرفي للكلمات سابقة غريبة  لم يشهدها اي بلد اخر في العالم ، ولم يتظاهر لأجلها أي شعب على وجه الأرض  .

ومنذ ذلك الوقت لم تتعافى رواتب موظفي القطاع العام ، ولم نرى حتى  مسيرة او تظاهرة واحدة  تطالب برفع الرواتب . إنه أرث التعايش مع الأمر الواقع مهما كان سيئا . او الهروب منه .

واذا كان من لا يتظاهر من أجل رفع راتبه الضئيل لعقود طويلة ، فكيف سيتظاهر  ضد البسط والبناء العشوائي  الذي جعل من مدينته أكثر  مدن العالم تشوها . كانت  مئات التظاهرات والمسيرات التي خرجت في السابق  تسخر فقط لرفع شعارات التاييد والتضامن . أومن أجل فك الارتباط مع الشمال .  وكان كل شئ أخر على مايرام .

في الأعوام  1969 حتى 1972 صدرت مجموعة قوانين أدت  جميعها لنتيجة وأحدة ..  وأحدة فقط .. تخلف إقتصادي  ساحق  ، وهروب   الكفاءات  وإلى الأبد  . 
تم تأميم  القطاع الخاص المحلي والاجنبي ، وشركات تجارية ، بنوك ، معامل ، مصانع ، فنادق ،  دور سينما ، عيادات  طبية ،  أبنية سكنية وتجارية  .. وحتى سكن مواطنين .. نعم حتى مساكن المواطنين لم تسلم من حمى التأميم  ..  تتعجبون لماذا يحدث  اليوم كل هذا  البسط على الاراضي في عدن ، ونهب  ممتلكات الدولة والمواطنين ؟ إنه سلوك قديم ، ولكن تم احياءه تحت شعارات جديدة . 
لم تكن الكفاءات المدنية المختصة  هي من يدير شؤون  العاصمة عدن  والمحافظات الجنوبية بعد الاستقلال  ، وقبل الوحدة . ولكن مناضلين . فهل عرفتم الان لماذا  إستقرت وتطورت الدول المجاورة ، وتخلف الجنوب بعد الاستقلال من المحتل الاجنبي ، وقبل التوحد مع أبناء العمومة  ؟

القرارات المتهورة  لما عرف حينها بالجبهة القومية حسمت  صراعاتها  مع القوى المنافسة لها،  لكن ماذا كانت النتيجة ؟  انتقلت إليها الصراعات بعد ذلك وانحصرت بداخلها وظلت تكبر وتتعقد عاما بعد أخر ، إلى أن رمت بالبلاد والعباد بخطوة متهورة أخرى مازالت ضريبتها القاسية تدفع حتى اليوم .

أكتوبر/تشرين الأول 1978 اتخذ قرار أخر متهور وهو تاسيس حزب اشتراكي بمرجعية ماركسية لينينية في بلد  تعود أصول القبائل فيه إلى بداية التاريخ البشري . وفتح باب الجنوب على مصراعيه للاتحاد السوفيتي . وحينما أنهار الاتحاد السوفيتي  ، نجح البسكويت والعصائر  بإغراء الجنوبيين بالوحدة  مع الشمال  .

غزا الانجليز عدن من البحر  قبل أكثر من قرن ونصف . ومنذ ذلك الوقت لم تتعرض عدن لأي غزو بحري .   قال أحد الموظفين الانجليز  الذين قضوا سنوات طويلة في عدن  ، قال لصديقه العدني أثناء وداعه  : أنا اخشى على عدن من برها وليس من بحرها . ولم يفهم الصديق حينها المغزى من هذه العبارة . لكن السنوات اللاحقة فسرت هذه العبارة بوضوح كامل .. فكل  الانقلابات العسكرية ، وكل الزحف القبلي والمناطقي وكل التهيدات التي تعرضت لها عدن بعد ذلك كان مصدرها البر وليس البحر .. الوحدة فرضت بالقوة عبر البر ، الجماعات الارهابية تنشط في البر  ، الحوثيون لم يغزوا عدن من البحر . كل الصراعات القديمة والجديدة  على الحكم كان مددها ياتي من البر ، وأي صراع مستقبلي سيتم دعمه بالزحف من البر .  إنها ساحة أزلية لصراعات برية وليست بحرية . 
تحميل  الوحدة فقط  نكبة  عدن والجنوب  هي شماعة . أو حق يراد من وراءه تحقيق أهداف أقلية ضد أغلبية . فقرار الوحدة ليس هو القرار المتهور الوحيد الذي أضر بالجنوب . والخلاصة ، الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديقراطية الشعبية كانتا قنبلتين كبيرتين على وشك الانفجار في أي لحظة  أكثر من كونهما بلدين متجاورين  .  فلا تتعجبوا مما ترونه اليوم  . إنه ببساطة حصاد الأمس .

بالامكان تقبل فكرة أن  من يحملون  السلاح بوجود شبه دولة هم  من يحددون  مصير بلد خلال الحرب  . لكن أن يحدث ذلك في السلم ايضا ، فهذا مايجعل أي بلد وأي أمة تستمر ساحة للصراعات، ومكانا يسهل فيه التدخل وإنتشار الفوضى والتخلف  . والتاريخ ملئ بالعبر .. فهناك من انتصر بمعارك القتال ، لكنه فشل بمنع بلد كامل  من الانهيار .

والمشكلة ليست في خطوات  متهورة  إتخذها الاسلاف  في الماضي ، ولكن في الدفاع عنها اليوم ومحاولة استنساخها للمستقبل .