وديع منصور
سؤال طرح لمرات غير قليلة خلال السنوات الماضية : إلى أين يتجه الصراع في اليمن ؟ الاجابة على هذا السؤال تكررت من منطلقات مختلفة ، ولكنها تشير جميعها لجواب واحد وهو من غير المرجح أن يرى اليمنيون نهاية للصراع في بلدهم في اي وقت قريب . يعتقد بعض المراقبين أن الشمال والجنوب سيدخلان في حرب طويلة الأمد كنتيجة طبيعية لاهداف ايران بضرورة سيطرة حليفها المحلي على السواحل والمنافذ البحرية اليمنية ، وكنتيجة ايضا لاستنفاذ المبرر الرئيسي لخوض الحرب مع الحوثيين وهو دعم الشرعية من اجل إستعادة صنعاء . لماذا ستكون الحرب القادمة بين الشمال والجنوب ؟ لان هذا هو شكل الصراع الذي سيتبقى في النهاية . فمع كل عام يمر ، يصبح واضحا ان الشمال يعود تدريجيا لنظام الامامة مدعوما بالاهداف الايرانية الاستراتيجية . والجنوب يتحرر ببطئ من روابطه مع الشمال من دون استطاعته رسم الواقع منفردا . عمليا التحرر النهائي من الشمال أمر يصعب تحقيقه في ضل الموقف الدولي الذي يؤيد إستمرار وحدة البلاد . ليس حرصا منه على استمرار الوحدة ، ولكن من منطلق مصالحه .
ومع ذلك لن يحقق الانقلابيون في الشمال ، ولا من يسعون لفك ارتباطهم عن صنعاء ، لن يحققا أهدافهما من خلال العناوين التي ترزح تحتها هذه الحرب . فلن يتمكن الشماليون من إخضاع وبسط نفوذهم الكامل على الجنوب مرة أخرى ، ولن يتمكن الجنوبيون من النأي بانفسهم بالكامل ايضا عن الشرعية ، والتي يلعب فيها الشماليون دورا مهما ، بغض النظر عن طبيعة هذا الدور المهم .. اما تحقيق نجاح يعتد به على الخارطة السياسية اليمنية من خلال الصراع القائم فهو أمر يصعب كثيرا تحقيقه من أي طرف .
ماذا لو لم يتم التوصل إلى حل نهائي للصراع في اليمن حتى العام 2025 ومابعد ذلك ؟ حينها قد تؤدي الحرب الراهنة إلى حقبة صراعات تتمثل في دورات جديدة من المعارك التي يصعب كسبها من أي طرف .. والتي ستجعل من اليمن مكانا سيعجز فيه الكل عن فرض أي حلول مستدامة .
هناك أعتقاد بأن أي مفاوضات سلام في المستقبل القريب لن يكتب لها النجاح ، لانها ستكون بين ممثلين عن خليط غير متجانس من أطراف مختلفة من جهة ، وممثلين عن الانقلابيين في الشمال والذين سيتجنبون التعرض لضغوط أي مفاوضات برعاية أممية ، ولن تتمكن الشرعية من لعب دور مؤثر على الارض في اي وقت قادم ، حتى مع إستمرار إحتفاضها بالاعتراف الدولي . الصراع الحقيقي في اليمن هو صراع من أجل السيطرة على كل اليمن ، وابرز من يمثل هذا التوجه هم حلفاء ايران ، والمذهبية السياسية ، ومابين سعي أطراف ذات أهداف متناقضة للاحتفاظ بنفوذ يعزز أهدافها في الجنوب .
هناك من يعتقد ان الحرب الطويلة ستساعد الحوثيين بتعزيز قوتهم اكثر ، وهذا الاعتقاد يصح ايضا بالنسبة للجنوبيين الرافضين لاستمرار الوحدة مع الشمال ، فكلما طالت الحرب اصبح الشمال اقل قدرة على خوض حروب واسعة ، ومن الصعب أن يتكرر اربعة وتسعين جديد حين توحد الشماليون وبمساعدة جنوبيين مناطقيين على هدف استعادة الوحدة بالقوة .
يراهن الحوثيين على اطالة امد الصراع لتجنب إستحقاقات السلام ، فعلى ماذا تراهن الشرعية ؟ الجواب هو : لا شئ . وقد يبدو غريبا أن لا تراهن الشرعية على شئ ، لكن يمكن فهم ذلك من خلال عجزها ، وضعف قدراتها على إحداث إختراق كبير في الواقع القائم ، أو القيام بتغيير جوهري في الصراع القائم .
الخلاصة ،
العالم يمر بمرحلة آفول نظام دولي يزداد ضعفا ، وتشكل قطب دولي أخر عنيد . ونحن نعيش هذا التغيير الان . والحرب في اوكرانيا هي بداية أزمة طويلة مابين الولايات المتحدة والغرب من جهة وبين روسيا والصين من جهة أخرى . والدول الفاشلة على شاكلة اليمن ستكون مهملة من المجتمع الدولي الى حد كبير خلال السنوات المقبلة . ففي خضم الازمات الكثيرة التي يعيشها العالم ، السياسية والاقتصادية والمالية ، ونذر الحرب بين قوى عظمى ، فانه من غير المرجح أن تلقى دول العالم الثالث التي تشهد صراعات على الحكم والنفوذ ، إهتماما كافيا لمساعدتها على انهاء حروبها وصراعاتها .