آخر تحديث :الأربعاء-04 فبراير 2026-11:02م

خيوط الـوفاء

الجمعة - 29 أبريل 2022 - الساعة 02:25 م
الخضر محمد علي الوليدي

بقلم: الخضر محمد علي الوليدي
- ارشيف الكاتب


لا أعتراض على حكم الله ولن نقول إلا مايرضي الله سبحانه وتعالى، إنا لله وإنا إليه راجعون .

ليت العمر يُهدى والعافية تُعطى، لسابقت الريح إليك ولو حبياً وزحفاً، لأهديك منها ما أستطعت لكي تظل حياتك تسرح وتمرح فيما بيننا، لتُسعدنا وتُفرحنا وتُعلمنا أجمل وأرقى الدروس والأخلاق والقيم، التي تعجز مدرسة الدنياء أن تُعلمنا  .

فكيف أبخل عليك بعمري وصحتي ليطول عمرك فيما بيننا، وأنا بذلك أفرح ليس فقط روحي بل أيضاً أفرح أرواح أهلك وأصدقائك وربعك وحتى الأغراب، لأنك كنت للبعض أباً حنوناً وللبعض أخاً وفياً وللبعض صديقاً مخلصاً وللبعض معلماً إستثنائياً، وللكل خيراً رحيماً عطوفاً كريماً صادقاً،
27 عاماً من عمري غُصتها في بحر والدي العزيز الغالي المرحوم اللواء ركن/ عبدالله منصور الوليدي، قائد اللواء 123 مشاة قائد محور الغيضة م/ المهرة، الذي كان كالبحر الذي كُلما تعمقت بقربه كُلما زاد حبك لشخصه وإعجابك لأخلاقه وذهولك من كينونته، لما تحتوي من ثروات من مواقف إنسانية وقيادية ومشيخية، التي وإن عَلاَ موجها لا تحمل في طياتها سوى العطاء والتضحية والإنقاذ والحل لكرب وهموم ومشاكل لكل من دنى وأقترب منه . 
ما دون 27 عاماً من عمري لا يهمني بل لايجب أن يُحسب من عمري، لأن ميلادي بدأ من عام 1994م حين ألتقيت، ولأول مرة، بوالدي وقائدي الذي عملت معه في البداية كمرافق شخصي، الذي أصبح يتوق ليفتدي بروحه لقائده الذي أحبه وأحترمه من أول لقاء . هذا اللقاء الذي أراه كشمس أشرقت بعيد ميلادي، لأنه كان بالنسبه لي بداية مرحلة مفصلية في تكوين شخصيتي، من خلال ما أكتسبته من صفات وأخلاق ومبادئ وسلوك في جميع الجوانب العسكريه والقبلية والمدنيه والإنسانية، التي تعلمتها من هذه الهامة الوطنية والإنسانية الكبيرة أبدية الذكرى إستحالة النسيان .   
ولأنه مميز في كل شيء عن بقية القادة، كان يسعى وبكل حواسه ووجدانه ووطنيته بأن يؤهل ويدعم الشباب _ حتى إذا كان في أمس الحاجة إليهم في عمله ولكنه يغلب مصحلة الوطن على مصلحته  وإرسالهم لدورات تعليمية ليخدموا الوطن . ولقد كنت أحد هؤلاء الشباب الذين فارقوا القائد للدراسة وكان ذلك في عام 2000م، لتنقضي سنين الدراسة والعمل والمسافات فيما بيننا مجرد سراب، لم تُعيق إستمرارية تواصلنا مع بعضنا البعض، لأن من تجد بقربه الأمان والطمأنينة والراحة لايمكن أن تُعيق الجبال والبحار والرمال والأرض والسماء تواصلي معه، لأنه نبع الطيبة التي تفيض بالأمان والسكينة والحب والحنان  . 
ولأن الإنسان يهاجر بين ثكانات الأرض باحثاً عن الراحة والأمان، فإني عدت في عام 2015م إلى حيث من أجد بجواره الراحة والأمان، لأصقل مواهبي وأتعلم الحروف الأبجذية بمختلف اللغات العسكرية والقيادية والإنسانية والمشيخية، وعلى أرض الواقع وليس على الورق، لتبدأ حياتي المهنية مع والدي وقائدي  
ولأن الثقة كانت الماء التي ظلت تروي جذور الإعتماد ،والأمان، أسند لي قائدي الكثير من المهام العسكرية والشخصية التي كانت بالنسبة لي كوسام شرف مطلي بالهيبة أعتز به وأفتخر، لأنه أوصلني لأن أكون الصندوق الأسود لكثير من الأمور الشخصية والسياسية والعسكرية، هذه الثقة التي مُزجت بالإحترام والمعزة والحب، لتجعل والدي العزيز يصر على أن أكون مرافقه في رحلات علاجه إلى عمان _ الأردن، وكذلك رحلته الأخيرة إلى الهند التي دامت لثلاثة أشهر  . 
وأختم كلمتي بذكر موقف من الألأف من المواقف التي تفاخر بها، فعند دخوله غرفة العمليات طلب  مني إنزال رأسي لكي يهمس في أذني برسالة لأبنه البكر، الكابتن طيار/ عباس عبدالله، مفادها انه في حالة حصل له مكروة أثناء العملية _ إذا أراد الله _أن تُدفن جثته في مسقط رأسه، لأن في فترة علاجه في الهند حضرنا مع قائدنا جنازات لليمنيين دفنت في الهند بسبب أزمة الرحلات الجوية إلى اليمن، وإن دل ذلك فإنما يدل على أن حب المرحوم لوطنه لم يقف عند فقط ملامسة أقدامه تراب الوطن بل أيضاً حين تسكن مسامات جسده تحت تراب وطنه الذي عاش لحمايته وبنائه لتُنسج بينه وبين وطنه خيوط الوفاء والإخلاص في الحياة والممات  .... 
إنا لله وإنا إليه راجعون 
رحمة الله تغشاك وألبسك ثوب مغفرته وأسكنك فسيح جناته وجعل الجنة دار أخرتك  ..

العقيد/ الخضر محمد علي الوليدي
مدير مكتب قائد اللواء 123 مشاه