لم تشهد اليمن فيما يبدو منذ أن دحاها الله نخبا وقيادات بهذه الذمامة والوضاعة وانعدام الضمير وراحة البال، مثل نخب وبضاعة اليوم المزجاة الصدئة.
نخب جمعت بين هلع وهواجس الأمس ودناءة وخسة وهلامية اليوم، نخب منقسمة ومتباينة في كل شيء إلا على البيع والتبعية والتكسب والارتهان.
نحن أمام تساو وتماثل في الوضاعة لم يشهد لها مثيل، وأمام سادية سياسة لم تشهدها أكثر السنوات انحطاطا ورجعية وتقهقرا.
لم أكن متفائلا أو مصدوما من قرارات الفجر الرئاسي، إلا من جهوزية الوكالة الرسمية والتلفزيون الرسمي، مع أن استدعائهما للعمل والمواكبة في ساعات الفجر الأولى هو الحدث الفارق وغير المألوف حقا لا غيره.
من غادر معظم جغرافية بلده المحررة بما فيها من سواحل وجزر وتوزع على كل عواصم العالم منذ سنوات مع أولاده، فكيف يعول عليه أن يعود بعد كل هذا الوقت محررا وفاتحا ومنقذا.
من ظل لسنوات وأعوام كسيحا معاقا حسا ومعنى ينتظر من العالم معجزة ومن الأقدار تدخلا كونيا لتحارب بدلا عنه وتعيده إلى بلاده حاكما بأمر المرجعيات الثلاث وتوليفة القرارات الدولية ذات الصلة.
كانت مرحلة التفاهة بكل الشخوص والهيئات والفعول، والأشكال والصور، مرحلة كن تافها ومتملقا، واحصل على ما تريد من الترضيات، مرحلة "شوف للولد بقعة عندك، وأنا أدبر لولدك بقعة عندي"، مرحلة حضر فيها الهفل النفل، وغاب عيال الناس وغيبوا.
لو كانت الشرعية في البداية مجرد عصا كسيحة لا انتفضت وهشت التمرد والاحتلال عن بلادها، لكنها شرعية 20 مستشارا وثلاثمائة وكيلا، فكيف تنتفض وقد استلبت وأخلدت إلى العجز والكسل والتوظيف والهمل.
كانت الشرعية قد تركت وتخلت عن أبسط واجباتها ومسؤولياتها في إدارة الحرب دبلوماسيا وعسكريا وتحولت إلى خدمة مدنية وضمان اجتماعي وصك لإصدار القرارات والترضيات..!
ومع كل سنوات الغياب كانت كل إفاقة وتسجيل حضور يتمثل في توقيع قرارات وترضيات جديدة، حتى سادت مقولة إن لم تكن مسؤولا في زمن هادي ومحسن وتحصل على شقة أحلامك في القاهرة أو اسطنبول فاعلم أن حظك أبطأ بك، وغلبت عليك شقوتك!
ما لم يكن الانحطاط قد ساد عهدا كما ساد في العقد الأخير، فكانت المسؤولية والمهام الملقاة، هي ردح تغريدات ومعركة تواصل أبطالها عشرات، بل مئات الوكلاء والمسؤولين المتناثرين في شتى العواصم، ردح يبدأ عادة بتبادل دعوات العودة للداخل، فصاحب مرمرة يدعو صاحب القاهرة للعودة ، وصاحب القاهرة يلمز صاحب اسطنبول بالهروب بعيدا جدا.
مرحلة التفاهة توزر واستلم راتبك بالعملة الصعبة من قوت الجنود وبياداتهم وقوت الجوعى، دون فعل أي شيء تماما، عدا من إيداعه، والاستدارة يمينا أو شمالا لتقاضي تمويل آخر، وتحليل المال الجديد، أو مال الدولة فهو مكافأة منها لجمجمتك الفذة، أو لتواجدك خارج أرضها وحدودها.
الجديد في الأمر أن وجوه العهد والمرحلة الجديدة استدرات وحملت مباخرها سريعا مبشرة بعهد جديد وسنوات عدل ونظام وقانون وتحرير وسلام يقط المسمار، إذ لا يوجد في قوامسها ماهو معيب أو مخز لتتوقف قليلا، وتتأكد من لياقتها ومدى جاهزيتها للاستدارة مجددا، وإشعال البخور وحملة المباخر بكل تأنق وميلان وإلمام.
صحيح أن التفاهة قد تطول وتمتد قليلا، لكنها لن تدوم، يكفي من نذر وعلامات اندثارها وزوالها أنها صارت تتحرك معزولة ومنفردة، ولا ترى إلا ذات الأيادي والوجوه، وذات المباخر بالعد والحصر، والجزاء، والجنس، والنهاية، والخاتمة، والمآل.
صحيح انها مرحلة تفاهة ووجوه ومرايا قابلة للبدل والتبديل والأقنعة، لكنها مرحلة سافرة ومكشوفة، من تردى فيها، ووقع وطاح، لن تقوم له قائمة، فليست الإقامات والابتسامات والصور، إلا ماديات إدانة ومحاكمات علنية ومفتوحة قدما، في البلد النزيف والنازف دماء وماء ورجولة وكرامة.