آخر تحديث :الجمعة-02 أكتوبر 2026-02:37ص

الحرب والنهاية 2

الجمعة - 26 نوفمبر 2021 - الساعة 10:44 ص
محسن فضل


أشرنا في المقال السابق ، إلى أن استمرار ضعف الشرعية أو اضعافها من قبل دولتي التحالف - السعودية والإمارات- ، سيكون في صالح الحوثيين الذين لن يكتفوا بمناطق الشمال فقط ، بل سيتعدى طموحهم إلى كل محافظات اليمن شمالاً وجنوباً ، وحتماً سيتجاوز الطموح الحوثي إلى خارج نطاق الجغرافيا اليمنية ، إذ أن نسبة كبيرة من الحوثيين يرون أن عبدالملك الحوثي هو ( سيد اليمن والجزيرة العربية ) .

ومما جاء في المقال السابق ، هو أن وجود حكومة شرعية ضعيفة ومفككة وممزقة في المناطق المحررة هو بمثابة إغراء للحوثيين لاجتياح تلك المناطق ، ولكن في حال سيطر الحوثيين على المناطق المحررة ، مستغلين حالة التفكك والانقسام والتخوين والتناحر بين الفصائل المسيطرة عليها ، هل هذا يعني  نهاية الحرب كما يعتقد الحوثيين ؟؟

هذا ما سنتناوله في حديثنا اليوم .

مشكلة الحوثيين أنهم لم يقرأون التاريخ ، وكما قال كارل ماركس :( أولئك الذين لا يعرفون التاريخ ، محكمون بتكراره ) وهنا تكمن المشكلة بالنسبة للعقلية الحوثية .

على مدى ألف عام وأكثر ، من حكم الأئمة الزيديين لشمال اليمن ، لم يتمكن الأئمة من حكم اليمن كاملاً شمالاً وجنوباً ، زيدية وشافعية ، سوى عشرات السنين وحدث ذلك خلال فترات متقطعة ، أبرزها خلال حكم الأئمة القاسميين بداية من الإمام المنصور القاسم بن محمد إلى ابنه محمد بن القاسم .

بينما ظل عدد كبير من الأئمة الزيديين يحكمون مناطق الشمال وكان حكمهم يتركز بشكل أساسي في مناطق أقصى الشمال كصعدة وحجة والمحويت وعمران .

فيما كانت المناطق الشافعية وسط اليمن وجنوبه ، تخضع لحكم دول سنية متوارثة كالرسولية والطاهرية ، وسبق هاتين الدولتين الدولة الصليحية التي شكلت نموذجاً في حكم اليمن كاملاً ، رغم أنها دولة من خارج المذهب السني ، لكن إذا حضرت ثقافة الدولة يتحقق المضمون وتختفي الشكليات .

وهنا لا بد من الإشارة إلى معلومة تاريخية مهمة ، وهي ، أن المناطق الزيدية كانت تخضع لحكم هذه الدول لاسيما الرسولية والصليحية ، بعد القضاء على ثورات الأئمة الزيديين التي كانت تحدث هنا وهناك ، وهذا يعني أن المناطق الزيدية قابلة للانصهار في دولة النظام والقانون ، كما انصهرت في عهد حكم الدولة الرسولية والصليحية ، وما كانت تحدث من زوبعة من قبل الأئمة الزيديين في تلك المرحلة فهي لا تعبر عن أبناء تلك المناطق بقدر من تعبر عن طمع الأئمة في الاستيلاء على الحكم باسم الحق الإلهي .

وعلى العكس من ذلك ، فقد كانت المناطق الشافعية في وسط اليمن وجنوبه ، تواجه أي تمدد زيدي بكل قوة ، ولا تخضع أو تستسلم بسهولة ، وذلك لأن الأئمة الزيديون كانوا عند سيطرتهم على أي منطقة شافعية ، يبدأون أولاً بنشر المذهب الزيدي ، وتغيير الفكر والثقافة ، ولعلنا في مناطق تعز وإب والبيضاء نسمع حتى اليوم بعض تلك الثقافة ، مثل أن تقول امرأة في حال سقط ولدها أرضاً " ياعلياه" أو تقول مثلاً " يالخمسة " بالإضافة إلى وجود زوامل شعرية مازلنا نتوارثها حتى اليوم  كانت تبدأ بمخاطبة والي الإمام في المنطقة بسيدي مثلاً أو مولاي ، فضلاً عن السربلة في الصلاة ، وقول حيّ على خير العمل في الأذان ، وهناك أشياء  أخرى قد لا يكون متسع لذكرها .

هذا هو التاريخ ، وأي تاريخ ، أنه التاريخ الذي يجهله الحوثيين ، ويسعون في تكراره مجدداً ، وبالتالي في حال تمكن الحوثيين من السيطرة على كل اليمن مثلاً ، فأن الحرب لن تتوقف عند ذلك ، بل إنها ستبدأ وستكون أكثر ضراوة وعدائية ، وهو ما سيكلف الحوثيين خسائر فادحة في الأروح والعتاد ، لماذا ؟؟ وذلك لعدة أسباب وهي :

1- لن يقبل اليمنيين أن يحكمهم حزب أو جماعة بقوة السلاح ، بعد أن تذوقوا الحرية والانعتاق في العهد الجمهوري ، وذاقوا الديمقراطية ولو منتقصة ، وشاركوا في الانتخابات وشاهدوا صناديق الاقتراع والحملات الانتخابية ، والصحف والمجلات ، هذه مفاهيم تعني الكثير للشعب اليمني بصرف النظر عن جوهرها الحقيقي هل كانت ديمقراطية نزيهة أم مزيفة ؟؟ هل كانت جمهورية وطنية أم جمهورية قبلية ؟؟ لكن حتماً من الصعب أن يتنكر  الشعب اليمني لتلك المرحلة أو ينساها بسهولة .

2- قد يكون من السهل أن تصنع من نفسك حاكماً ، ولكن من الصعب جداً أن تفرض على الأخرين القبول بك ، الحكم بالإكراه ، مثل هذا الحاكم لن ينعم بالسطلة لأن الواقع سيكون مخيف وملغم ، والمجتمع سيصبح وكأنه شرار ، قد يندلع لهبها يوماً وتحول كل شيء إلى رماد متطاير ، ثم ما فائدة أن تبني حكمك على سيل من الدماء وإزهاق الأرواح والأنفس ، هذا لا ينسجم مع الفطرة الإنسانية ، ولا يتقبله العقل والمنطق .

3- الحكم يتطلب عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم ، أو ما يطلق علية الدستور والقانون ، يضمن للناس حقوقهم وحرياتهم وفكرهم وثقافتهم ، ولعل هذه مشكلة عويصة بالنسبة للحوثيين في وقتنا الحالي ، حينما هب الشعب ضد نظام عفاش لأسباب تتعلق بالفساد وغياب القانون والعدالة والسيادة والديمقراطية ، كان هدف الشعب تحقيق حالة أفضل ، فهل من المعقول أن يقبل الشعب بحالة اسوأ مما كانوا عليه حتى في عهد نظام عفاش ، هذه نقطة مهمة للغاية يجب أن يتوقف الحوثيين عندها بكل شفافية .

الشعب الذي لم يقبل بالنظام العائلي ، لن يقبل بالولاية ، الشعب الذي لم يقبل بسنحنة الدولة ، لن يقبل بصعودتها ، الشعب الذي رفض أن يكون الرئيس والمحافظ والمدير والقائد مؤتمري ، لن يقبل الشعب أن يستبدلهم بهاشمي في هاشمي .

4- من المعروف أن التعصب ، يمثل نقطة البداية لانهيار الشعوب وتمزقها وتشتتها وتناحرها أيضاً ، سواءً كان تعصب عرقي أو ديني أو مذهبي ، أو حزبي ، أو حتى قبلي ،  ونحن في اليمن دفعنا ثمن التعصب غالياً في كل مراحل التاريخ الحديث ، ومازلنا ندفع الثمن حتى اليوم ،  ومع ذلك جاءت ثورة فبراير الشبابية 2011م  لتغير مجرى التاريخ بصدور عارية ، لم تحمل في طياتها الانتقام والتهميش ، مرحلة جديدة الجميع فيها سواء ، علي عبدالله صالح زعيماً ورئيساً للمؤتمر الشعبي العام ، أحمد علي سفيراً والمؤتمر حاضراً بنصف الحكومة ، واليمن الاتحادي يتشكل ، لا ظالم ولا مظلوم ، لكن حاطت بنا المؤامرات وبرزت الأطماع واشتعل سلوك الانتقام ، حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم .

نعم ، الحوثيون يسيطرون على أكثر مناطق اليمن كثافة سكانية ، وهم أي - الحوثيين -  مُلزمين دون غيرهم ، بمراعاة طبيعة المجتمع الذين يتحكمون به ، وفي المقدمة الجانب المذهبي ، وعليهم  احترام خصوصياته الفكرية والثقافية والمذهبية ، وإلا فأنهم بذلك لا يختلفون عن الأئمة الزيديين قبل العهد الجمهوري ، ولا شك أن الشعب اليمني قد شب على الطوق ولن يقبل أن يعود للتقوقع مجدداً في قعر المذهبية المظلم ، على حساب حريته وكرامته واعتزازه بنفسه ومكانته التاريخية .

5- الانتقاص من الهوية الوطنية ، وما تستند إليه من حضارات وقيم وتاريخ عريق ، واختزالها في مسميات صغيرة وضيقة خاصة بجماعة معينة أو حزب معين ، كل ذلك يجعل الشعب يفقد ثقته بك ، ويقبل بك على مضض وإلى حين فقط ، وهذا أمر مهم للغاية لأن الهوية الوطنية جامعة للمذاهب والأديان والأعراق ، تذوب فيها كل التمايزات الطبقية والعنصرية ، فقد تجد أن الهوية الوطنية في بلد ما تجمع المسيحي واليهودي والمسلم والأسود والأبيض ، ولكن حين يأتي من يقدم الدين أو المذهب أو العرق على حساب الهوية الوطنية ، عندها يتحول البلد وكأنه بحر متلاطم ، الجميع فيه مهدد بالغرق ، وهذا هو حالنا اليوم نحن اليمنيون .  

إذن ... في حال سيطر الحوثيين على كل اليمن ، لا يعني هذا نهاية الحرب ، كما يعتقد الحوثيين أنفسهم ، لأن كل الأسباب التي ذكرنها سلفاً ، كفيلة بأن تجعل الحرب تأخذ منحنى أخر ، قد لا يكون في صالحهم ، ولا في مصلحة  من خططوا له وسعوا في تحقيقه .