آخر تحديث :الأربعاء-01 أبريل 2026-11:53م

ارحموا عزيز قوم ذل

السبت - 30 أكتوبر 2021 - الساعة 05:45 م
د. جلال الفضلي

بقلم: د. جلال الفضلي
- ارشيف الكاتب


اتصلت تستشيرني في حكم عمل ما، فقلت لها: أرى أن هذه مغامرة، وسلوك مستقبل مجهول. قالت: ولكن يا دكتور، هل تدري بحالنا في صنعاء؟ وكيف نعيش؟ هل سوف تفتون لنا بحل أكل الميتة؟ نحن نعيش حياة الذل والهوان، غرباء في بلادنا، صارت منازلنا قبورا، نعيش تحت أمواج البحر ولا مغيث، صرنا في ذل بعد عز، وفقر بعد غناء، الحياة صعبة فوق ماتتصور، حالنا حال نسر مكسور الجناح، ألف السماء بكبريائه، ثم صار يزحف على الأرض بذل وهوان، قل لي: كيف سيعيش؟ من الحمق أن يعيش الإنسان في مدينة بلا فلوس تكفيه، ولاعمل، سيجرع كؤوس الذل والهوان، ويتعرض للسؤال، والسؤال ليست من شيمنا، تموت الحرة، ولاتأكل ثدييها. الميسور بالأمس لايكفيه راتبه اليوم لإيجار ومصاريف بيت، من كان تجب عليه الزكاة بالأمس صار اليوم من أهل الزكاة، بل من الأسر من زاحم الكلاب على النفايات، نصارع الموت لأجل البقاء، قل لي: ماذا نعمل؟ سأرحل من صنعاء، رحلة الوادع فلبطني ولجسدي، ولأهلي حق في العيش، سأغادر صنعاء وإن كان فراقها عليّ صعبا، فراق الرضيع المطرود من حضن أمه، لايدري كيف ستكون حياته، وهل سيرجع لأمه؟ وهل ستعرفه أمه؟ هذا حالنا في صنعاء والسلام.

حينما ننصح ربما ارتسمت في أذهاننا حال السائل أنها مثل حالنا، فربما شدّدنا على من له رخصة في أمر؛ بسبب ما استقر في الذهن، والحكم فرع عن تصوره، مع أني بحمد الله أستحضر حالة المكروب والمناطات التي تحيط به؛ لأن النصيحة أمانة.
لست هنا في ذكر ضوابط الفتوى والنصيحة، لكن أضع حال أناس ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) هذه حرائركم يا أهل اليمن تصارع الجوع، هذا هو حال ذات الخدور، هذه أسركم يتاضغون جوعا، ويشربون من كأس الذل، فإذا شربتم، أو أكلتم، فاعلموا أن هناك ملايين من الأسر لم تجد ثلث ما وجدتموه في يومكم، إن نمتم قريري الأعين في أحضان نسائكم، فاعلموا أن أسرا نامت في حضن الجوع والفقر، اعلموا أن هناك من الأسر من يدفعهم الجوع لأي عمل لإنقاذ أبنائهم من الموت، وهذا -ما يريده مفتعلو الحروب في بلادكم- إن ضحكتم فهناك من لم تنقطع دمعته من عينه، هذه هي الحرب التي فرضت علينا، وساقها إلينا السفهاء من بني جلدتنا، هذه الحرب التي سقت شعبنا ذلا، خدعهم الجار، والعدو ورمى لهم جزرة؛ ليضربنا بعصا الموت. 
لاتستغربوا أن جوعا يفتك ملايين بلد فيها الكنوز، وتعد من أغنى الدول؛ فلقد أعطى قادتها زمامها لقوم أشربوا في قلوبهم حب السادية، يأكلون الأخضر واليابس، ويهلكون الحرث والنسل، ويحملون الخراب والجوع، ويتلذذون بموت اليمني ومرضه وذله.

هذه هي أفريقيا المسلمة، التي تسمى أرض الذهب، تعد من أفقر الدول، الجوع يعصف بأهلها.
أحتلهم الأوربي، ونشر في بلدانهم مراكز الإغاثة؛ ليظل الأفريقي عائشا على فتات الأوربي، وهو يأكل خيراته، يعطيه كيسا من البر، ويسرق الذهب والثروة، سددت منظمة الأمم المتحدة، وغيرها من المنظمات ديونها ورفعت رصيدها على ظهر المسكين الأفريقي.

وفي اليمن دول لها خبرة في هذا المجال، ودول أرادت تتدرب على الشعب اليمني، فتعطي التمرة، وتجلد بالعصاء، وتسرق أرضا وثروة، فلا تستغرب أن يلتهم الجوع اليمنيين، فقد قاد سفينة البلاد من لا يحسن القيادة، ولايدري من هي اليمن، وماذا فيها؟ كالطفل الوراث لؤلؤة من أبيه حينما لادري ما قيمتها، يسلمها لسارق بقطعة حلوى وهو في قمة الفرح. 
كل اليمن تعاني، وإذا كان هذه حال أهل صنعاء، فاعلموا أن حال أهل عدن أدنى من ذلك بكثير، فهم موتى يتكلمون.
عبد الملك، والحاكم، وهادي، ومعين، والزبيدي، وبن بريك، وزمرتهم في القصور، والرغد يأمرونكم بالاقتتال، وبطونهم مقابر للأموال، يدعون قتالا للتحرير، وهم عبيد النقود، والعبيد.
لا يسمعون أنينكم، وإن سمعوا فهم خشب مسندة بلا آذان، هؤلاء يظنونكم أنكم تعيشون مثلهم؛ لأن المخزون الذهني يرسم لهم حالكم كحالهم، فماريا انطوانيت أتى لها بفقير أغمي عليه من الجوع، قالت: ولم يعمل هذا الرجيم القاسي! قالوا لم يجد خبزا، قالت فليأكل البسكويت!
فالنأكل البسكويت، بسكويت ماري!! وهو غالي.