أثارت التحضيرات المكثفة التي تجري هذه الأيام لعقد المؤتمر الجامع الحضرمي ردود أفعال كثيرة وجدلا واسعاً في داخل البلاد وخارجها بين مرحب ومعارض ومنتقد ، لكل منهم منطلقاته وحيثياته ، فقد رأى المرحبون به وهم الأغلبية الساحقة من أبناء حضرموت ، أنّ هذا المؤتمر سيشكل خطوة هامة وجبارة إذا استطاع أن يلامس مشاكل حضرموت ويضع الحلول الجذرية لها بالتنسيق والتعاون مع السلطة المحلية ومع جهات الإختصاص فيها ، وما أكثر هذه المشكلات والتي أضحت تؤرق الجميع وتقلقهم وتهدد القيم والأخلاق والسمعة الطيبة والأمانة ، التي اتسم بها الحضرمي في داخل البلاد وخارجها .
ويأتي في مقدمة هذه المشكلات الملف الأمني باعتباره الملف الأكثر حيوية وأهمية ، وهو المدخل والأساس لحل باقي المشكلات ، حيث انتشرت ظاهرة القتل للأسف الشديد بشكل عشوائي لأتفه الأسباب ، لخلاف على قطعة أرض لايتجاوز ثمنها بضعة ملايين من الريالات ، أو لخلاف بين قبيلتين على أرض متنازع عليها أو لسبب ما ، يتحول إلى مواجهات مسلحة يسقط فيها ضحايا من الطرفين ، وكذلك ظاهرة التقطع بهدف الاستحواذ على الأموال والممتلكات ، بل والقتل في حالة المقاومة والرفض ، وان كانت هذه الظواهر محدودة ، لكنها خطيرة جدا ، تسيء إلى حضرموت وأهلها وسمعتها ومكانتها ، إلى جانب سقوط بعض القتلى والجرحى من الأطفال والرجال والنساء الأبرياء بسبب إطلاق النار العشوائي في الأعراس والأعياد وغيرها من المناسبات ، تعود أسباب هذه المشكلات جميعها إلى الغياب القوي للدولة ،
وانتشار السلاح بشكل واسع وسهولة الحصول عليه من قبل الأحمق والجاهل والمعتوه والشاب المراهق ، وبالتالي لايتورع أحدهم استخدامه في حالة غضب لإرتكاب الجريمة ، طالما توفرت أداتها ، ومن هنا يتطلب من هذا المؤتمر الاتفاق على ميثاق شرف يجرم اللجوء إلى السلاح واستخدامه في اية خلافات تنشأ بين قبيلتين والوقوف بحزم ضد التقطع وإطلاق النار العشوائي في المناسبات والأعراس ،وعدم إيواء أي قاتل ، ويجب تسليمه إلى الدولة من قبل أسرته وقبيلته ، وكذلك المطالبة بقوة بأن يتولى الملف الأمني والعسكري ، وحماية المحافظة أبناؤها ورفض أية تواجد لقوات من خارجها ، ومن المشكلات التي كانت سببا في انحراف بعض شباب حضرموت ، وخلقت قلقا أجتماعيا على مستقبل هذه المحافظة وسمعتها ، انتشار ظاهرة تعاطي القات بشراهة بين صفوف الشباب ،إلى جانب تجارة المخدرات التي اتخذت من أراضي المحافظة معبرا لتهريبها إلى دول الجوار للمبالغ المغرية التي تدرها تجارة هذه السموم الخطيرة ، ولايستبعد أن هناك من شباب حضرموت من يتعاطاها ، لخطورة هاتين الظاهرتين على مستقبل حضرموت وشبابها ، لابد أن يتخد هذا المؤتمر قرارات وتوصيات ويطالب السلطة المحلية بالتعجيل في تنفيذها ، تبدأ أولا بالعمل على اخراج سوق القات من داخل مدن المحافظة في الساحل والوادي ، ومنع بيعه فيها، واتخاذ إجراءات صارمة ضد مخالفي هذا القرار ، كما إنه لابد من تعزيز الإجراءات الأمنية لمحاربة تجارة المخدرات وتعاطيها واسنادها لجهاز خاص ، وتنسيق العمل مع كل الأجهز الأمنية والعسكرية داخل البلد ودول الجوار ، والمطالبة بتشديد الرقابة على مداخل ومخارج المحافظة ، مع التأكيد على تحفيز الجهد الشعبي والديني وتضافرهما مع الجهد الرسمي الحكومي ، لمحاربة هاتين الآفتين الخطيرتين اللتين استفحل أمرهما وصارتا من المشكلات التي تؤثر على تماسك الأسرة وتهدد بتفككها في مجتمع حضرموت المحافظ الذي كان إلى وقت قريب لايعرفهما على الإطلاق .
هناك ملفات أخرى لاتقل أهمية عن الملف الأمني ، الملف الإداري وضرورة تفعيله وتطهيره من الفساد ، ومده بالكوادر المؤهلة بديلا عن تلك الكوادر التي استوفت شروط خدمتها ، بعيدا عن المحسوبية والمحاباة والتقاسم والنظرة الحزبية الضيقة ، لكن بعد أن تستوفي الكوادر القديمة كامل حقوقها .
هناك قضايا أخرى من المهم جدا معالجتها والإهتمام بها من قبل المؤتمر ، التربية والتعليم ، الصحة والبيئة ، ومشكلة الكهرباء التي أضحت من المشكلات العويصة لتكررها والحاجة الماسة للبحث عن حلول عاجلة ودائمة بالاستعانة بالرأسمال الحضرمي في الداخل والخارج .
ومن الملفات ذات الأهمية أيضا ، الملف الإقتصادي وضرورة الإهتمام بتنمية المحافظة وتوفير فرص عمل لشبابها العاطل، الذي اضحى البعض منهم ضحية للأفكار المتطرفة والأفكار المنحرفة التي لابد للمؤتمر أن يضع معالجات لها لخطورتها على السلم الإجتماعي ، في إيجاد مشاريع جديدة ، والتوظيف في الشركات النفطية العاملة في حضرموت التي حرم أبناؤها من خيراتها ، لاحتكارها من قبل القوى المتنفذة للنظام السابق ومن هم محسوبون على السلطة الشرعية ، كما لابد ان يطالب المؤتمر وبقوة بحق المحافظة في الإشراف على عمل هذه الشركات ، وبنقل مكاتب التوظيف وكل مايتعلق بهذه الشركات إلى عاصمة المحافظة ، وفي نفس الوقت المطالبة بنقل الإشرف على منفذ الوديعة ، هذا المنفذ المثير للجدل ومصدر للفساد إلى سلطة المحافظة ، لكونه واقعا في إطارها الجغرافي ، بدلا عن القوات العسكرية الحالية التي كثرت شكاوي المواطنين حول تعسفاتها وفسادها .
المعارضون لعقد المؤتمر الحضرمي الجامع ،يمكن لنا تصنيفهم إلى ثلاثة مجموعات ، تأتي في مقدمة هذه المجموعات السلطة الشرعية ومن يناصرها من الشخصيات الفاسدة ،التي لاترى في حضرموت ، إلاّ تلك الدجاجة التي تبيض ذهبا ، لتمويل عبثها وفسادها وخيبتها ، فهي لم تقدم شيئا لحضرموت ولا لغيرها من المناطق المحررة ، عندما كانت حضرموت تتألم بسبب كارثة تشابالا التي حلت بها ، وكذلك حمى الضنك التي ازهقت أرواح العشرات من أبنائها ، إلى جانب تلك الفترة العصيبة تحت سلطة المسلحين التي تقارب العام ، إذ تٌرِكَتْ حضرموت لوحدها ، واليوم عندما بدأت تستعيد عافيتها ، تأتي الشرعية مهرولة إليها ، لا حبا في حضرموت ، وإنما خوفا من فقدانها هذه الدجاجة . أما الصنف الثاني ، تمثله تلك القوى المتنفذة للنظام السابق ، التي استباحت حضرموت ونهبت ثرواتها وبنت عزها ومجدها وترفها ونعيمها ، على حساب معاناة أهلها وفقرهم وفقدانهم لأبسط الخدمات ، كشربة الماء النظيفة والكهرباء ، وانتشار الأمراض التي سببها تلوث البيئة وغيرها ....، والأثنان متفقان على أن تظل حضرموت ضعيفة يتحكم في مصيرها وفي ثروتها غير أهلها ، والشيء الذي يجب أن يؤكد عليه الجميع ، هو عقد المؤتمر تحت أي ظرف كان ، شاء من شاء وأبى من أبى .
الصنف الثالث والأخير ، يأتي توجسهم من عقد هذا المؤتمر ، خوفاً من أن تدير حضرموت ظهرها لأخواتها من المحافظات الجنوبية وتنسى قضيتها الجنوبية العادلة ، تحت تأثير تلك الدعوات المشبوهة ، التي تقول لاشمال ولاجنوب ، نعم من حق أبناء حضرموت ان تكون لهم اليد العليا في أرضهم وثرواتهم ، لكن دون أن يديرون ظهورهم للآخرين ، ولا سيما وأن الخطر لا زال قائماً، فهناك من يعدّ لحرب ثالثة ضد الجنوب وإعادة السيطرة عليه واحتلاله ، فحضرموت يجب أن يكون مصيرها مثل غيرها من المحافظات الجنوبية وتتصدى لأي عدوان قادم مع غيرها من المحافظات الجنوبية علما بأن حضرموت ستأتي في مقدمة هذه المحافظات المستهدفة .
أمٌا المنتقدون الذين يتهمون القائمين على المؤتمر باقصاء بعض المكونات السياسية ، وبعض الشخصيات الفاعلة من مرحلة التحضير والأعداد لهذا المؤتمر ، لعلّها تأتي من باب الحرص على نجاح المؤتمر واستيعاب كل القضايا الحيوية الهامة ، التي تمس معاناة المواطنين وترسم مستقبلا واعدا وآمنا لكل مواطني حضرموت ، لذا لابد من القائمين على هذا المؤتمر ، الانفتاح على الجميع وتقبل جميع الملاحظات الإيجابية ، واتباع مبدأ عادل لتمثيل كل طوائف ومكونات المجتمع الحضرمي دون استثناء ، ويجب أن تكون القضية الجنوبية حاضرة بقوة ، بحيث يشكل هذا المؤتمر إضافة نوعية لوحدة الصف الجنوبي ، نحو خلق الحامل السياسي الموحد لهذه القضية ، كمااتمنى من باقي المحافظات الجنوبية ، أن تحذو نفس النهج في عقد مؤتمرات لها ، كما إنّ أهمية هذا المؤتمر ، لاتكمن في مَنْ يحضره أومَنْ يٌمَثَّلٌ فيه ،ولكن في مدى شمولية قراراته وتلمسها لواقع حضرموت وتطبيقها على الواقع العملي ، وكل مانخشاه أن يتحول هذا المؤتمر إلى تظاهرة إعلامية حماسية ينتهي كل شيء بمجرد انتهاء أعماله ، وبعده تعود المياه إلى مجاريها ، وينسى الجميع حضرموت ويذهب كلّ لحاله .