آخر تحديث :الجمعة-23 أكتوبر 2026-09:32م
أخبار المحافظات

القومي ، العقيد عبدالله محمد حيدرة العشلة ، من أورمة إلى ميادين الخدمة العسكرية.. سيرة رجل وشهادة على زمن من تاريخ اليمن

الجمعة - 23 أكتوبر 2026 - 08:21 م بتوقيت عدن
القومي ، العقيد عبدالله محمد حيدرة العشلة ، من أورمة إلى ميادين الخدمة العسكرية.. سيرة رجل وشهادة على زمن من تاريخ اليمن
المصدر: إعداد وتوثيق: أبو زين الوليدي

*الميلاد والنشأة.. من قاع أورمة بدأت الحكاية*


وُلد العقيد عبد الله محمد حيدرة العشلة (القومي) في 26 أغسطس 1965م، في منطقة أورمة امقاع، التابعة لمديرية مودية بمحافظة أبين، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة، كانت القرية فيها مدرسة أولى يتعلم فيها الطفل معاني الأسرة والانتماء والتعاون، قبل أن يعرف مقاعد الدراسة أو يسمع بأسماء المدن الكبيرة.

في تلك البيئة تشكلت ملامح شخصيته الأولى، بين حياة القرية وأعمالها اليومية، وعلاقات الناس بعضهم ببعض، وما كان يميز المجتمع الريفي من تماسك اجتماعي واعتماد على النفس.

أما لقب «امقومي»، الذي اشتهر به عبدالله حتى أصبح معروفًا لدى كثير من الناس أكثر من اسمه الحقيقي، فتعود حكايته إلى عام 1967م، حين كان طفلًا. فقد كان يصنع قطعة من القماش على عود، على هيئة علم، ثم يدور بها في البيت مرددًا كلمة «عومية، عومية».

ولفت ذلك المشهد انتباه جده عبدالله منصور العشلة، فأطلق عليه لقب «امقومي»، الذي لازمه منذ ذلك الحين، حتى أصبح جزءًا من هويته الاجتماعية والاسم الذي يعرفه به الأهل والأصدقاء وكثير من أبناء المنطقة.

وهكذا نشأ لقب «امقومي» من مشهد طفولي عابر، لكنه بقي شاهدًا على ذاكرة الأسرة والقرية، وعلى الطريقة التي تصنع بها المجتمعات الريفية أسماء أبنائها وألقابهم، فتحول اللقب مع مرور الزمن إلى علامة مميزة لصاحبه.


*شهادة الميلاد.. حين كانت الوثيقة مفتاح المدرسة*


في عام 1972م، احتاج عبد الله إلى شهادة ميلاد حتى يتمكن من الالتحاق بالتعليم، فتوجه مع والده، رحمه الله، إلى مودية لاستخراجها.

ويتذكر أن والده اصطحب معه المرحوم عبد الله حيدرة مقصع المسدس الله يرحمه ويسكنه الجنة في تلك الرحلة، كما يتذكر وجود عبد محمد الله مقصع معه.

كانت شهادة الميلاد تحمل اسم «جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية»، وتتضمن التقسيم الإداري المعمول به آنذاك، ومنه المحافظة الثالثة، والمديرية الشرقية، ومركز مودية.

وتكشف هذه البيانات جانبًا من التنظيم الإداري الذي كان سائدًا في جنوب اليمن خلال تلك المرحلة، وتمنح الوثيقة قيمة تتجاوز إثبات الميلاد إلى توثيق جانب من التاريخ الإداري للمنطقة.

ويستحضر عبد الله القومي أن محافظة أبين كانت تضم أربع مديريات رئيسية، تتبع كلًّا منها مراكز إدارية، تغيرت بعض مسمياتها أو نطاقاتها لاحقًا، وأصبحت بعض المراكز مديريات مستقلة.

وهكذا بقيت شهادة الميلاد وثيقة شخصية وتاريخية في آن واحد؛ فهي تحفظ تاريخ ميلاد صاحبها، وتقدم للباحثين في تاريخ مودية وأبين مادة يمكن الاستناد إليها عند دراسة تطور التقسيم الإداري في تلك الفترة.


*سنوات الطفولة.. السجن في ذاكرة الأسرة*


لم تكن سنوات الطفولة خالية من التجارب الصعبة؛ فقد عاش القومي، وهو لا يزال صغيرًا، ذكريات مؤلمة ارتبطت بفترات سجن والده وعمه، رحمهما الله، وما تركته تلك الظروف من أثر في الأسرة.

يتذكر أنه زار والده عدة مرات أثناء احتجازه في سجن بيت امقفعي بمودية، وكانوا يذهبون مع المرحوم / محمد ناصر الوحيش الله يرحمه ويسكنه الجنة والذي تولى رعايتهم خلال فترة سجن أهلهم، وكذلك في سجن مسمار. فقد زار عددا من المساجين وهم أحمد منصور الوحيش وأحمد عبد الله مشدق الله يرحمهم ويسكنهم الجنة وبعد خروج والده من السجن، زار عمه عبد الله العشلة، رحمه الله، في سجن المنصورة. وقد كان للوالد عبد الله طاحل والوالد ناصر طاحل الله يرحمهم ويسكنهم الجنة الدور الكبير في المتابعة، وخروج ولده وعمه عبد الله من السجن، كما يتذكر أنه كانت مع والده سيارة لاند روفر أجرة وكان العم امعبد الوحيش والعم عبد الله مقهد الله يرحمهم ويسكنهم الجنة يشتغلون عليها. تريب بتريب وظلت هذه اللفتة الكريمة منهم في مساعدة الأسرة راسخة في الذهن حتى اليوم لما قاموا به في مرحلة كان حينها يهرب الجميع من أي شخص مسجون..

كانت تلك التجارب جزءًا من الحياة التي عاشتها الأسرة في مرحلة اتسمت بظروف سياسية واجتماعية صعبة، ولم يكن الطفل آنذاك قادرًا على استيعاب جميع أبعاد ما يجري حوله، لكنه احتفظ بصور تلك الأيام ومشاعرها، لتبقى حاضرة في ذاكرته بعد مرور عقود طويلة.

ولم تكن تلك الزيارات مجرد أحداث عابرة في حياة طفل، بل ذكريات ارتبطت بالقلق على الأهل، والغياب، وانتظار الفرج، وهي مشاعر تظل راسخة في ذاكرة الإنسان مهما تقدم به العمر.

ومن هنا، فإن سيرة عبد الله العشلة لا تبدأ من المدرسة أو الحياة العسكرية وحدهما، بل تمتد إلى سنوات الطفولة الأولى، بما حملته من ظروف وتجارب أسهمت في تشكيل ذاكرته ونظرته إلى الحياة.


*بداية الرحلة التعليمية.. من ساكن امبير إلى ثانوية مودية*


بدأ عبد الله دراسته عام 1972م، في مدرسة كانت فصولها الأولى في ساكن امبير، ببيت المرحوم علي امقسمي، حيث درس الصفين الثاني والثالث، بحسب ما يستحضره من ذكريات تلك المرحلة.

ثم انتقل الطلاب إلى امقرن لدراسة الصف الرابع، وكانت المدرسة في بدايتها بسيطة الإمكانات، تتكون من فصلين مصنوعين من الخشب، وسقفيهما من ألواح الزنج، فيما كان بعض الطلاب يدرسون خارج سور المدرسة.وقد تم بناء المدرسة على نفقة المقاول الشهيد /عبدالله منصور القريبي الله يرحمه ويسكنه الجنة

ومع توسع التعليم في المنطقة، أُنشئ مبنى مدرسي في الجهة الغربية، ضم أربعة فصول ومعملًا، في خطوة عكست اتساع فرص التعليم في تلك البيئة الريفية.

وبسبب النظام التعليمي الجديد آنذاك، استمر عبد الله وزملاؤه في الدراسة حتى الصف الثامن، ثم أدوا الامتحان الوزاري خلال العام الدراسي 1979–1980م ويتذكر الأساتذة الأجلاء في تلك الحقبة الأستاذ/ سعيد علي سعيد الله يرحمه ويسكنه الجنة والأستاذ/ عبد الله صالح سعيد والأستاذ /علي عبداللاه سميح والأستاذ/ الخضرحسين معرج والدكتور /محمد علي البدري والأستاذ/ عثمان أحمد هادي عسيري والأستاذ/الخضر صالح كندح الله يرحمه ويسكنه الجنة وغيرهم ...

ويتذكر من زملائه في تلك المرحلة أحمد لقلم، وعبد الله محمد مقصع، وعلي سالم ناصر مسر، وٱخرين من قرى أورمة

ولم تكن الدراسة في تلك الأيام سهلة، فقد كانت الإمكانيات محدودة، ووسائل التعليم بسيطة، ولم تكن الكهرباء متوفرة في القرية، لكن الرغبة في التعلم والتنافس بين الطلاب كانتا حاضرتين.

كان الطلاب يرعون الأغنام، وهم حاملين كتبهم للمراجعة والمذاكرة، ويجلسون ليلًا على ضوء الفوانيس، يحاولون استيعاب دروسهم والاستعداد للامتحانات.

ويرى عبد الله أن الدراسة في الماضي كانت تقوم على التنافس في التحصيل والفهم، رغم قلة الإمكانات، بينما أصبح بعض الطلاب اليوم يهتمون بالنتيجة والدرجة أكثر من اهتمامهم ببناء حصيلة علمية حقيقية.

إنها شهادة من ذاكرة جيل عرف مشقة التعلم، لكنها تكشف أيضًا عن قضية ما زالت تستحق الاهتمام: فالتعليم لا ينبغي أن يكون مجرد طريق إلى النجاح في الامتحانات، بل وسيلة لبناء المعرفة والفهم والقدرة على التفكير.

بعد ذلك انتقل عبد الله إلى المرحلة الثانوية في مودية، حيث واصل تعليمه أربع سنوات، متنقلًا بين عدد من المدارس والمباني التعليمية، ومنها مدرسة جواس الجديدة.

وكانت الحياة المدرسية تجمع طلابًا من مودية والمحفد وجيشان والوضيع ويتذكر من الزملاء علوي المصري. وأحمد منصر غيثان وعبد الله شقفة وجمال عمير وناصر عوض وأحمد الميسري والدكتور محمد ناصر المشرقي الله يرحمه وغيرهم كثير،، الأمر الذي أتاح للطلاب التعارف وتبادل الخبرات والاحتكاك بأبناء مناطق مختلفة.

كما عمل في المدارس عدد من المعلمين الفلسطينيين منهم الأستاذ/عمر السيسي رحمة الله عليه والمدرسين العراقيين، إلى جانب معلمين يمنيين، يتذكر منهم الأستاذ عبدالله مشدود، رحمه الله.

وفي 24 يونيو 1984م، أدى عبد الله القومي امتحانات الثانوية العامة، وبعد إعلان النتائج عبر الإذاعة، عرف أنه اجتاز هذه المرحلة بنجاح.

كان ذلك اليوم نهاية فصل من حياته وبداية فصل جديد، انتقل فيه من مقاعد الدراسة إلى ميادين الخدمة العسكرية.


*حلم الطيران.. والفرصة التي لم تكتمل*


في عام 1981م، وكان عبد الله في الصف الأول الثانوي، جاءت لجنة من وزارة الدفاع لاستقطاب شباب للالتحاق بسلاح الطيران.

وكان من بين المجموعة القادمة من أرمة أبو بكر صينية، وخالد الرباش، وسند سالم علي، وعلي سالم ناصر، وعبد الله نفسه، إلى جانب شباب من مودية ومناطق أخرى.

انتقل الشباب إلى عدن، وأُدخلوا معسكر الجلاء، حيث أُبلغوا بأنهم سيوجّهون إلى العمل في منظومات الصواريخ، ومنها صواريخ «سكود» و«آر-17»، بحسب ما يتذكر عبد الله.

غير أن هؤلاء الشباب كانوا قد قدموا وهم يتطلعون إلى أن يصبحوا طيارين، ولذلك رفضوا التوجيه الجديد، وأصروا على العودة إلى الدراسة، معتقدين أن قبولهم في تلك المهمة يعني التخلي عن حلم الطيران.

وبعد نحو أسبوع، عادوا إلى مودية لاستكمال تعليمهم، لكن قرارهم لم يمر دون تعليقات ومزاح من كبار السن، الذين أطلقوا عليهم ألقابًا ساخرة ربطت بين كل واحد منهم والمطار.

ويروي عبدالله أن رفاقه حملوا ألقابًا من ذلك النوع، من بينها «مطار سند»، و«مطار امقومي»، و«مطار علي سالم».

ومع مرور الزمن، أصبحت هذه الحكاية من الذكريات الطريفة التي يستعيدها عبد الله من أيام الشباب، حين كانت الأحلام كبيرة، وكانت الخبرة بالحياة ومسارات العمل لا تزال في بداياتها.

ومهما تكن نظرة الشباب آنذاك إلى تلك الفرصة، فإنها تمثل محطة تستحق التأمل؛ فقد كانوا صغارًا في السن، ولم تكن لديهم الخبرة الكافية لتقدير أهمية التخصصات العسكرية المختلفة أو معرفة المسارات المهنية التي كان يمكن أن تفتحها لهم.

لكنهم عادوا إلى الدراسة، وأكملوا تعليمهم، ليبدأ عبد الله بعد الثانوية العامة مسارًا عسكريًا مختلفًا عن الحلم الذي حمله يوم ذهب إلى معسكر الجلاء.


*من الثانوية العامة إلى الحياة العسكرية*


بعد النجاح في الثانوية العامة، مُنح الطلاب إجازة قصيرة، ثم أُعلن عن استدعاء المجندين عبر الإذاعة والتلفزيون.

بدأ عبد الله مرحلة التجنيد ضمن الدفعة 17 فالتحق بمعسكر العند، حيث خضع لتدريب عسكري استمر ثلاثة أشهر، شكّل انتقالًا حقيقيًا من الحياة المدنية إلى الحياة العسكرية، بما تفرضه من انضباط وتحمل للمسؤولية.

بعد ذلك وُزّع ضمن المجندين التابعين لوزارة الداخلية، والتحق بدورة في معسكر ردفان استمرت ستة أشهر، وكانت هناك سرية للمجندين وأخرى للعسكريين الأساسيين.

ويذكر أن قائدهم في تلك المرحلة كان صادق حيد، رحمه الله، وأنهم مثّلوا النواة الأولى لقوة حراسة المنشآت.

وبعد انتهاء الدورة، عمل عبد الله في جمارك المعلا، حيث كانت مهمته تتضمن مرافقة السيارات المحملة بالبضائع والمتجهة نحو المناطق الحدودية.

ويتذكر رحلاته إلى كرش ومكيراس، ومواقف جمعته بأقاربه وزملائه في تلك الفترة، ومنها لقاء عمه عبد الله العشلة بالوزير البطاني، رحمهما الله، وحديثه معه بشأن مستقبل عبد الله العسكري.

وبحسب روايته، صدر توجيه بأن يُنقل إلى فئة الجنود الأساسيين، وأن تتاح له لاحقًا فرصة الالتحاق بدورة خارجية. إلى ألمانيا الشرقية

وفي الأول من سبتمبر 1985م، سُجل جنديًا أساسيًا، والتحق بشرطة الشيخ عثمان، و استمر في شرطة الشيخ عثمان حتى أحداث يناير 1986م.

كانت تلك السنوات مرحلة تأسيسية في حياته المهنية؛ فقد تعرف خلالها على طبيعة العمل الأمني، واكتسب خبرة في الانضباط والتعامل مع المسؤوليات اليومية، قبل أن تفرض عليه الأحداث السياسية والعسكرية مسارات جديدة.


*أحداث يناير 1986م.. أيام قاسية ونجاة من الاعتقال*


جاءت أحداث يناير 1986م لتكون واحدة من أصعب المحطات في حياة عبد الله، الذي كان يومها جنديًا يؤدي عمله في المجال الأمني.

كان موجودًا في شرطة دار سعد عندما اندلعت الأحداث، وأصيب بشظايا بسيطة قرب العين اليسرى ، ثم عاد إلى منطقة الدرين.

ومع محاولات الخروج ضمن مجموعات من الأفراد، وقع في قبضة جهة مسلحة في منطقة المملاح، ونُقل إلى سجن النجمة الحمراء، حيث قضى نحو أسبوع.

كان عبد الله يومها في مقتبل شبابه، وظل يؤكد لمن يحققون معه أنه طالب، قبل أن يتمكن من الخروج.

انتقل بعد ذلك إلى منطقة الشعب، مستخدمًا بطاقة هوية، أحضرها له الأخ / ناصر محمد الوحيش إلى الدرين ثم غادر عدن إلى البلاد في فبراير 1986م.

لم تكن تلك الأيام مجرد أحداث سياسية وعسكرية بالنسبة إليه، بل تجربة شخصية قاسية عاش فيها الخوف والإصابة والاحتجاز، وشاهد فيها كيف يمكن للصراعات أن تقلب حياة الناس في أيام قليلة.

وقد تركت تلك المرحلة أثرًا في ذاكرته، شأنها شأن التجارب التي عاشها كثير من أبناء جيله، الذين وجدوا أنفسهم وسط أحداث كبرى لم يكن بمقدورهم التحكم في مساراتها أو نتائجها.


*الانتقال إلى الشمال.. مرحلة جديدة في المسيرة العسكرية*


بعد مغادرته عدن في فبراير 1986م، انتقل عبد الله مع مجموعة من رفاقه إلى شمال اليمن، وكان عددهم نحو عشرين شخصًا، يذكر منهم عبد الله محمد الوحيش والخضر سالم علي وسند سالم علي وآخرين.

وبعد الاستقرار هناك ، جرى توزيع العسكريين على الوحدات، واختلف مسار التشكيل بحسب الجهة التي كان يتبعها الأفراد قبل انتقالهم.

فقد اكتمل قوام لواء الوحدة من الأفراد التابعين للجيش، فيما بدأ تشكيل لواء شلال لاستيعاب الأفراد التابعين للشرطة.

وبحكم انتماء عبد الله العشلة ورفيقه سند سالم إلى الشرطة، التحقا بلواء شلال،

انتقل عبدالله وسند ضمن تشكيلات اللواء وكان قائد اللواء العميد الركن ،/سالم علي قطن الله يرحمه وانتقلت كل القوات من رداع إلى منطقة السوادية، حيث جُمعت قوات الرئيس علي ناصر وشُكّلت كتيبة مدفعية. ضمن لواء شلال وكان قائد الكتيبة العميد / أحمد غالب المجيدي

وقد تخصصوا في الاستطلاع المدفعي، وتلقيا التدريب في السوادية حتى سبتمبر 1986م تقريبًا.

بعد ذلك انتقل لواء شلال إلى مأرب، بينما توجه لواء الوحدة إلى الدمنة في تعز، وبقي عبد الله القومي هناك حتى منتصف عام 1987م.

ثم عاد إلى القوات الجوية في صنعاء، حيث بدأت مرحلة جديدة من حياته العسكرية، تميزت بالتدرج في الرتب والانتقال إلى تخصصات فنية أكثر دقة.

وفي الأول من سبتمبر 1987م، حصل على رتبة ملازم ثانٍ، لتكون هذه الترقية بداية مسار جديد، لم يعد فيه مجرد جندي يتلقى التدريب، بل ضابطًا يتجه نحو اكتساب الخبرة الفنية والتخصصية في مجال العمل العسكري.


*الوحدة اليمنية وحرب 1994م*


بعد قيام الوحدة اليمنية عام 1990م، انتقل عبد الله للعمل ضمن وحدات الرادار في تعز، واستمر هناك حتى عام 1992م، ثم عاد إلى صنعاء، حيث التحق باللواء 22/ رادار.

كانت تلك الفترة مرحلة من التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد، وتغيرت خلالها طبيعة المؤسسات العسكرية وأطر عملها في ظل قيام الدولة اليمنية الموحدة.

ومع اندلاع حرب صيف 1994م، وجد عبد الله نفسه أمام اختبار ميداني جديد.

ويذكر أنه شارك في الحرب ضمن القوات التي التحق بها، من البلاد وهو كان في إجازة ومعه الأخ / عبدالله محمد مقصع وتحركا إلى البيضاء، حيث التقيا بالقائد عبدالله منصور علي، الله يرحمه ويسكنه الجنة والتحقا باللواء الذي كان يقوده.لواء الوحدة

واستمرت رحلتهما العسكرية حتى المكلا، وانتهت الحرب

وبعد ذلك عاد عبد الله إلى القوات الجوية، واستأنف عمله في المجال العسكري والفني، لتبدأ مرحلة جديدة من التدريب والتخصص والترقي.

وقد أسهمت هذه التنقلات في توسيع خبرته العملية، إذ جمع بين العمل في وحدات الرادار والخبرة الميدانية التي اكتسبها خلال مراحل الصراع المختلفة.


*الرادار.. من الخبرة الميدانية إلى التخصص الفني*


لم تقتصر مسيرة عبدالله العشلة على العمل العسكري الميداني؛ فقد اتجه إلى تطوير خبرته في مجال الرادار، وهو من التخصصات التي تجمع بين المعرفة الفنية والانضباط العملياتي والقدرة على التعامل مع منظومات دقيقة.

التحق بدورات تخصصية عدة، كما درس اللغة الإنجليزية في المعهد العسكري، واستفاد من دورات متقدمة في تشغيل الرادار وصيانته وتجهيزاته ومعالجة أعطاله، إلى جانب أعمال المراقبة والاستطلاع وتدرب على يد خبراء فرنسيين

وكان من أبرز محطات حياته المهنية عمله على منظومة رادارية فرنسية حديثة، حصل في تخصصاتها على أربعة دبلومات.

وقد مثّل هذا التخصص انتقالًا مهمًا في مسيرته، إذ لم يعد عمله مقتصرًا على تنفيذ المهام العسكرية العامة، بل أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على المعرفة الفنية والتعامل مع أجهزة تتطلب التدريب والدقة والاستعداد المستمر.

وفي عام 1998م تقريبًا، كان قد وصل إلى رتبة رائد، ثم استمرت ترقياته ومسؤولياته في المجال الفني والعملياتي.

وفي الأول من سبتمبر 2007م، حصل على رتبة عقيد، وهي آخر ترقية عسكرية.

وبين بداية خدمته جنديًا في الشرطة، ووصوله إلى رتبة العقيد، امتدت رحلة مهنية تنقل خلالها بين مجالات متعددة، واكتسب خبرات عسكرية وفنية، وشارك في دورات وتدريبات أسهمت في تأهيله لمهام أكبر.


*جبل النبي شعيب.. عشر سنوات فوق قمة اليمن*


من المحطات البارزة في حياة العقيد عبدالله العشلة عمله في موقع الرادار بجبل النبي شعيب، حيث أمضى الفترة من عام 1998م حتى عام 2008م.

ويقع جبل النبي شعيب في محافظة صنعاء، ويُعد أعلى قمة جبلية في اليمن والجزيرة العربية، ويبلغ ارتفاعه نحو 3666 مترًا فوق مستوى سطح البحر.

كانت الحياة في ذلك الموقع مختلفة عن سائر مواقع الخدمة؛ فالارتفاع الشاهق والبرد القارس وتساقط الثلوج في بعض الفترات جعلت العمل هناك يحتاج إلى صبر وقدرة على التكيف مع ظروف طبيعية قاسية.

ومع ذلك، يصف عبدالله تلك السنوات بأنها من أجمل فترات حياته العسكرية، لما توفر فيها من اهتمام بالموقع والعاملين، وما اكتسبه خلالها من خبرة فنية وعلاقات مهنية.

كان الموقع يضم مباني ومنشآت رادارية كبيرة، وحظي باهتمام من قيادة الدولة ووزارة الدفاع وقيادة القوات الجوية، كما زاره عدد من المسؤولين والوزراء.

ويذكر أن خبراء فرنسيين عملوا معهم مدة تقارب أربع سنوات، تولوا خلالها التدريب ونقل المعرفة إلى الطواقم اليمنية، حتى أصبح التشغيل والعمل الفني من مسؤولية الكوادر اليمنية بعد مغادرة الخبراء.

وكان عبدالله العشلة يتولى مهام قائد طاقم قتالي عملياتي، ضمن منظومة عمل تعتمد على الدقة والاستعداد والانضباط.

ويستعيد كذلك تفاصيل الحياة اليومية في الجبل، حيث اعتاد العاملون البرد والثلج، وتوفرت لهم وسائل اتصال بأسرهم، الأمر الذي خفف عنهم مشقة البعد عن الأهل.

كما يشير إلى وجود مسجد قديم قرب الموقع، ارتبط في الذاكرة المحلية باسم النبي شعيب، وإلى وجود ضريح قديم في المنطقة.

ولم تكن السنوات التي أمضاها هناك مجرد فترة خدمة عسكرية، بل تجربة مهنية وإنسانية متكاملة، اكتسب خلالها معرفة تخصصية، وتعايش مع ظروف طبيعية استثنائية، وشارك في مسؤوليات عملياتية تطلبت الدقة والالتزام

في عام 2008م، انتقل عبدالله العشلة إلى قيادة القوات الجوية، ورُشّح للالتحاق بدورة قادة كتائب دفاع جوي في معهد الثلايا العسكري بمنطقة صلاح الدين في عدن.

استمرت الدورة تسعة أشهر، وكانت محطة مهمة في مسيرته المهنية، إذ أتاحت له تطوير معارفه القيادية والعسكرية، إلى جانب الخبرة الفنية التي اكتسبها خلال سنوات عمله السابقة.

وبعد إكمال الدورة، عاد إلى العمل في شعبة الرادار، وتولى مديرالإدارة الفنية، مستفيدًا من خبرته المتراكمة في تشغيل المنظومات الرادارية وصيانتها، ومن الدورات التخصصية التي سبق أن التحق بها. وقد جمع في هذه المرحلة بين التأهيل القيادي والمعرفة الفنية، وهو ما مثّل امتدادًا لمسيرته التي انتقل فيها تدريجيًا من المهام الميدانية إلى الأعمال التخصصية والإدارية.

واستمر في عمله حتى الخامس من مارس 2015م، قبل أن تتغير ظروف البلاد مع اندلاع الحرب.


*حروب متعاقبة.. جنديًا ثم ضابطًا ثم عقيدًا*


عاصر عبدالله العشلة مراحل متتابعة من الصراع وعدم الاستقرار في اليمن، وكانت علاقته بهذه الأحداث تتغير بتغير موقعه ورتبته ومسؤولياته.

فقد عاصر أحداث عهد سالمين وهو شاب، لكنه لم يشارك فيها، ثم شارك في أحداث يناير 1986م وهو جندي، وفي حرب 1994م وهو ضابط برتبة ملازم أول، ثم عاد إلى ميدان المواجهة عام 2015م وهو عقيد.

وفي عام 2015م، التحق بكتيبة من اللواء 39 مشاة وكان قائد اللواء العميد الركن / محمد علي بن سلامة في بئر أحمد، و قائد الكتيبة صالح حسين مبرقي، رحمه الله، بينما تولى عبدالله مهام أركان الكتيبة.

شاركوا في العمليات العسكرية حتى تراجع القوات الحوثية إلى العند، ثم عادوا ضمن الجبهة إلى أبين، ووصلوا إلى لودر ومودية.

كانت تلك المرحلة مختلفة عن سنوات خدمته الفنية؛ إذ عاد إلى الميدان في ظروف حرب واسعة انعكست آثارها على العسكريين والمدنيين، وعلى حياة الأسر في مختلف المناطق.

وبالنسبة إلى عبدالله، مثّلت هذه العودة انتقالًا جديدًا من العمل الفني والإداري إلى مسؤوليات ميدانية، بعد سنوات طويلة أمضاها في منظومات الرادار ومواقع الخدمة العسكرية.


*قيادة كتيبة الدفاع الساحلي ومعسكر ماطر*


بعد انتهاء مرحلة من العمليات، تواصل معه أحمد الدماني، المعروف بأبي قصي، من الرياض، وعرض عليه تولي قيادة الكتيبة.

وافق عبدالله على المهمة، فتولى قيادة كتيبة في لواء الدفاع الساحلي، كما عمل أركان حرب لمعسكر ماطر.

وفي تلك المرحلة، شارك في تسجيل أفراد المقاومة الذين عملوا معهم، وذكر أن عددهم تجاوز ثلاثمائة فرد.

وكانت المهمة تتطلب تنظيم الأفراد ومتابعة شؤونهم والتعامل مع متطلبات العمل العسكري في ظروف اتسمت بالتغيرات الميدانية والإدارية.

لكن الخلافات وعدم الانسجام مع قيادة اللواء دفعته إلى تقديم استقالته في مطلع عام 2017م، ليبقى بعيدًا عن العمل العسكري حتى نوفمبر 2018م.

ومثّلت تلك الفترة استراحة من مسؤوليات القيادة المباشرة، بعد سنوات طويلة من العمل والتنقل بين الوحدات والمواقع العسكرية.

كتيبة الطوارئ في عدن.. مسؤولية جديدة

في نوفمبر 2018م، التقى عبدالله العشلة بالمهندس أحمد الميسري، الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية آنذاك، وكانت بينهما معرفة سابقة تعود إلى سنوات الدراسة والعمل.

عرض عليه الميسري تولي قيادة كتيبة الطوارئ، فأبدى عبدالله استعداده للمهمة، وباشر عمله في معسكر الطوارئ بالصولبان في 15 نوفمبر 2018م

ويؤكد ان مسؤوليته كانت محددة في قيادة الكتيبة الأولى وقيادة معسكر الطوارئ بالصولبان فقط،

وتكتسب هذه الإشارة أهمية في توثيق سيرته؛ لأنها تحدد نطاق مسؤوليته الفعلية، وتمنع الخلط بين مهامه وبين مهام الوحدات الأخرى التي تشكلت ضمن الترتيبات نفسها.

وفي أثناء تلك المرحلة، زارهم وفد أمريكي، وعُقدت لقاءات في معاشيق ضمن الترتيبات المتعلقة بتطوير قوة الطوارئ.

غير أن الأحداث السياسية والعسكرية التي شهدتها عدن في أغسطس 2019م أنهت تلك المرحلة بصورة مفاجئة، وغيّرت مسار عمله مرة أخرى.

أغسطس 2019م..

*نهاية مرحلة وبداية العزلة*


في الثامن من أغسطس 2019م، اندلعت المواجهات التي استهدفت قوات الحكومة الشرعية في عدن، ووصلت الهجمات إلى معسكر الطوارئ بالصولبان.

ويروي عبدالله أنه خرج من المعسكر بعدما تعرض للهجوم من جهات متعددة، وبقي في عدن حتى الخامس من سبتمبر 2019م.وغادر إلى البلاد نتيجة المضايقات وبقي هناك مدة عام تقريبًا، ثم استمرت ظروفه بعيدًا عن العمل العسكري، حتى أصبح في منزله، بعد مسيرة طويلة تنقل فيها بين مواقع الخدمة ومراكز القيادة ومناطق المواجهة.

وهكذا انتهت، على نحو لم يكن يخطط له، مرحلة من حياته امتدت عقودًا، وشهدت تغيرات كبيرة في شكل الدولة والمؤسسة العسكرية والصراعات السياسية في البلاد.

وكان الانتقال من مواقع العمل والقيادة إلى الحياة بعيدًا عن المؤسسة العسكرية تحولًا كبيرًا لرجل اعتاد الانضباط اليومي والمسؤولية المهنية، وقضى معظم سنوات عمره بين المعسكرات ومواقع الرادار والوحدات العسكرية.